حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 116
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي أولئك عند اللّه بمنزلة الصديقين والشهداء، أو هم المبالغون في الصدق فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار اللّه ورسله والقائمون بالشهادة للّه ولهم، أو على الأمم يوم القيامة. وقيل:
«والشهداء عند ربهم» مبتدأ وخبر والمراد بهم الأنبياء من قوله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: 41] أو الذين استشهدوا في سبيل اللّه لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ولكن من غير تضعيف ليحصل التفاوت أو الأجر والنور الموعود أن لهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (19) فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفا.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ لما ذكر حال الفريقين في الآخرة حقر أمور الدنيا أعني ما يتوصل به إلى الفوز الآجل بأن بيّن أنها أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جدا أتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة، ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم، وزينة كالملابس الحسنة والمراكب البهية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي أولئك عند اللّه بمنزلة التصديقين) جواب عما يقال: كيف حكم على كل من آمن باللّه ورسله بأنه هو الصديق والشهيد مع أن الظاهر أن كل واحد منهما أخص من المؤمن، لأن الصديق هو السابق إلى التصديق والشهيد من استشهد في سبيل اللّه؟ أجاب عنه أولا بأن قوله: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ أي على سبيل التشبيه، ثم بيّن تعالى وجه التشبيه بقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أي لهم أجر مثل أجر الصديقين والشهداء ولهم نور مثل نورهم. ولما ورد أن يقال: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ أجاب عنه بقوله: «لكنه من غير تضعيف» يعني أنه تعالى يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. وأجاب عنه ثانيا بأن المراد بالصديق والشهيد ليس المعنى المتعارف الذي ذكرته بل الصديق صيغة المبالغة بمعنى كثير الصدق، والشهيد من يشهد للّه تعالى بالوحدانية وباتصافه بجميع صفات العظمة والكبرياء وللرسل بقيامهم بمقتضى الرسالة من الدعوة والتبليغ أو من يشهد على الأمم كما قال تعالى:
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] والمراد أنهم عدول يوم القيامة تقبل شهادتهم للعباد وعليهم فيما عملوه وكل مؤمن كذلك، ثم نقل جوابا آخر وهو أن قوله تعالى:
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ جملة اسمية والمراد بهم الأنبياء أو الذين استشهدوا في سبيل اللّه فلا يلزم أن يكون كل مؤمن شهيدا. قوله: (أو الأجر والنور الخ) أي ويجوز أن تكون الضمائر في قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ راجعة إلى قوله: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ويكون