حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 119
قدره.
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ كجدب وعاهة. وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ كمرض وآفة إِلَّا فِي كِتابٍ إلا مكتوبة في اللوح مثبتة في علم اللّه تعالى. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها نخلقها والضمير للمصيبة أو للأرض أو للأنفس إِنَّ ذلِكَ أن ثبته في كتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُكُلُها دائِمٌ خاص وإذا وقع التعارض بين الخاص والعام فالخاص يخصص العام مطلقا، أي سواء علم تاريخ نزولهما وأيهما نزل أولا أو لم يعلم هذا عند الشافعية. وذهبت الحنفية إلى أن المتأخر في النزول عاما كان أو خاصا ناسخ للمتقدم إذا علم تاريخ نزولهما، ولا يحملون العام على الخاص مطلقا كما ذهب إليه الشافعية. وأما قولهم: إن الجنة لو كانت مخلوقة الآن لكانت في إحدى السموات وما يكون في واحدة منها لا يكون عرضه كعرض كل السموات والأرض، فالجواب عنه أنها مخلوقة الآن فوق السماء السابعة كما قال عليه الصلاة والسّلام: «سقف الجنة عرش الرحمن» ولا بعد في كون المخلوق فوق الشيء أعظم منه. ألا ترى أن العرش أعظم المخلوقات مع أنه فوق السماء السابعة».
قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ الآية) وإن كان حثا على مكارم الأخلاق من الصبر على الضراء والشكر على السراء وتمهينا للرذيلتين اللتين هما الفرح بالنعمة بحيث يؤدي إلى الأشر والبطر، والخروج عن حد الشكر والتحزن على ما فات منها حزنا مطغيا مخرجا عن حد الصبر والرضى بالقضاء إلا أن المقصود الأهم منه الحث على الجهاد كما هو المقصود بما سبق من قوله تعالى: وَما لَكُمْ أن لا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ إلى آخر الآيات ونقل عن الزجاج أنه قال: إنه تعالى لما قال: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ بيّن أن المؤدي إلى الجنة أو النار مما صدر من بني آدم لا يكون إلا بقضاء اللّه وقدره، فإن جميع الموجودات مثبتة في اللوح المحفوظ إجمالا. ثم إنه تعالى يفصل قضاءه السابق بإيجادها إلى المواد الخارجية واحدا بعد واحد فالأول هو المسمى بالقضاء والثاني هو المسمى بالقدر. قال الإمام: إنه تعالى لم يقل إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية وإثباتها في الكتاب محال. وخص من الحوادث ما يتعلق بالأرض وبالإنس ولم يدخل فيها أحوال السموات وما يتعلق بها مما يكون من قبيل المصائب ولم يذكر السعادات الأرضية والإنسية وفي كل ذلك إشارات وأسرار، وهذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال المتكلمون: إنما كتب كل ذلك لتستدل الملائكة بذلك على كونه تعالى عالما بجميع الأشياء قبل وقوعها لأن إثباتها فيه فرع علمه بها وليعرفوا بذلك أنه حكيم فإنه تعالى لما خلقهم ورزقهم مع علمه بما يقدمون عليه من المعاصي علم منه أنه لم يفعل ذلك إلا لحكمة.