حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 120
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لاستغنائه فيه عن العدة والمدة.
لِكَيْلا تَأْسَوْا أي أثبت وكتب لئلا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ من نعيم الدنيا وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ بما أعطاكم اللّه منها، فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر. وقرأ أبو عمرو «بما أتاكم» من الإتيان ليعادل ما فاتكم. وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت وطباعها، وأما حصولها وبقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها. والمراد به نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر اللّه تعالى والفرح الموجب للبطر والاختيال، ولذلك عقبه بقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) إذ قل من يثبت نفسه حالي السراء والضراء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي أثبت وكتب لئلا تحزنوا) يعني أن اللام في قوله: لِكَيْلا متعلقة بما يدل عليه قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ. قوله: (ليعادل ما فاتكم) فإن أتاكم ذكر في مقابلة فاتكم.
والفعل في قوله: فاتَكُمْ للفائت فينبغي أن يكون في مقابله أيضا للآتي لا للمؤتي.
ووجه من قرأ «آتاكم» بالمد ما ذكره المصنف من الإشعار بأن حصول نعم الدنيا وبقاءها لا بد له من سبب بخلاف فواتها. وقوله: «وقرأ أبو عمرو «بما آتاكم» أي مقصورا من الإتيان أي بما جاءكم. قال أبو علي الفارسي: لأن أتاكم معادل لقوله: فاتكم للفائت فكذا ينبغي أن يكون في مقابله الآتي في قوله: بِما آتاكُمْ. وقرأ باقي السبعة «آتاكم» ممدودا من الإيتاء أي بما أعطاكم إياه. ووجه هذه القراءة أي القراءة الممدودة التي بمعنى الإعطاء من الإيتاء ما فيها من الإشعار الذي ذكره المصنف حيث قال: «وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها» الخ.
قوله: (والمراد به) أي بقوله: لكي لا تأسوا ولا تفرحوا أي ليس المراد به نفي الأسى والفرح على الإطلاق، فإنه ما من أحد إلا وهو يفرح بنعمة اللّه تعالى ويحزن على فواتها، وليس مجرد الفرح والحزن بمذموم وإنما المذموم منهما ما يؤدي إلى ما لا يجوز من البطر والاختيال والافتخار بالزخارف الفانية على الناس والنظر إليهم بعين الاحتقار، ومن عدم الرضى بالقضاء والتسليم لأمر اللّه. واستشهد على أن المراد ذلك بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ أي فرح يخرجه فرحه عن حد الشكر إلى الخيلاء والبطر فَخُورٍ بما أوتي من النعم على الناس. قيل لبرزجمهر: أيها الحكيم ما لك لا تحزن على ما فات ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة والآتي لا يستدام بالحبرة. ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسّلام: «من عرف سر اللّه في القدر هانت عليه المصائب» وكيف لا يهون عليه ذلك وقد علم أن وقوع كل ما وقع واجب وعدم كل ما لم يقع واجب أيضا من حيث إنه تعالى علم كل ممكن على الوجه الذي يكون عليه من الوقوع وعدم الوقوع