حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 122
يراد به العدل ليقام به السياسة ويدفع به الأعداء كما قال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ فإن آلات الحروب متخذة منه. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار. والعطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلا أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنزال أسبابه. وقيل: الإنزال ههنا بمعنى الإنشاء والهيئة كما في قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: 6] وقيل: هو من باب علفتها تبنا وماء باردا، وتقدير الكلام:
أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان. ويدل على صحة هذا التوجيه قوله تعالى: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ [الرحمن: 7] والمراد بوضعه الأمر باستعماله. وروي أن جبريل عليه السّلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السّلام وقال: مر قومك يزنوا به. وقيل: المراد بالميزان العدل وبإنزاله إنزال الأمر به. قوله تعالى: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) جملة حالية من «الحديد» قيل: معناه فيه من خشية القتل خوف شديد. وقال محيي السنة: فيه قوة شديدة في الحرب. وفي الصحاح: البأس العذاب والبأس الشدة في الحرب. قال مجاهد: فيه جنة وسلاح، والمعنى: إنه متخذ منه آلتان للحرب آلة الدفع وآلة الضرب. قال أهل المعاني:
معنى أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ أحدثناه وأنشأناه كما في قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وقوله: أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا [الأعراف: 26] وذلك أن أوامر اللّه تعالى وأحكامه تنزل من السماء. وروي أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «إن اللّه عز وجل أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل النار والحديد والماء والملح. وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكليتان والميقعة والمطرقة والإبرة.
السندان يروى بفتح السين وكسرها يقال له بالتركي أورس. والكليتان آلة يؤخذ بها الحديد المحمى. والميقعة المبرد وهو ما يحد به الحديد. والمطرقة آلة يضرب بها الحدادون الحديد المحمى يقال له بالتركي حكوج. فعلى هذا الإنزال على حقيقته. وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ بعد قوله: وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ إشارة إلى أن تمشية قوانين الكتاب واستعمال ما يوزن به يتوقفان على وال صاحب سيف يقيم به أمر السياسة ويقهر به من تجاوز القسط وتعدى وظلم، فإن الظلم من شيم النفوس الأمارة والسيف حجة اللّه تعالى على من تعدى وظلم. ثم قال: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إشارة إلى أن القيام بالقسط كما يحتاج إلى القائم بالسيف يحتاج أيضا إلى ما يتوقف عليه التعايش من الصنائع وآلات المحترفة.
قوله: (والعطف على محذوف) يعني أن قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ معطوف على علة محذوفة يدل عليها قوله تعالى: فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فإنه حال فيه معنى التعليل