فهرس الكتاب

الصفحة 4915 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 125

رهب كالخشيان من خشي. وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان وهو جمع الراهب كراكب وركبان. ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ما فرضناها عليهم. إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان اللّه. وقيل: متصل فإن ما كتبناها عليهم بمعنى ما تعبدناهم بها وهو كما ينفي الإيجاب المقصود منه دفع العقاب ينفي الندب المقصود منه مجرد حصول مرضاة اللّه وهو يخالف قوله: «ابتدعوها» إلا أن يقال:

ابتدعوها ثم ندبوا إليها، أو ابتدعوها بمعنى استحدثوها وأتوا بها أولا لا أنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. فَما رَعَوْها فما رعوها جميعا حَقَّ رِعايَتِها بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد عليه الصلاة والسّلام ونحوها إليه. فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أتوا بالإيمان الصحيح وحافظوا حقوقه ومن ذلك الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسّلام. مِنْهُمْ من المتسمين باتباعه أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27) خارجون عن حال الاتباع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويرد على الإعراب الأول أن يقال: كيف يجوز أن تكون «رهبانية» منصوبة «بابتدعوا» المقدر المفسر بالظاهر مع أن جعل الرهبانية مبتدعة منهم في مقابلة كون الرأفة والرحمة مجعولتين للّه تعالى يدل على أن الرهبانية فعل العبد بحيث يستقل العبد بفعلها وهو مذهب أهل الاعتزال؟ والجواب عنه ما مر من أن إسناد ابتداعها إليهم لا يستلزم استقلال قدرتهم بها كما هو مذهب المعتزلة، فلا محذور. و «الرهبان» بفتح الراء صفة مشبهة كالعطشان أبلغ من الراهب بمعنى الخائف يقال: رهب بكسر الهاء يرهب بفتحها رهبة ورهبا بالضم ورهبانا بالفتحات الثلاث أي خاف، فهو راهب ورهبان. والرهبانية الفعلة المنسوبة إلى الرهبان للمبالغة في العبادة.

قوله: (كأنها منسوبة إلى الرهبان) بضم الراء لم يجعلها منسوبة حقيقة بل جعلها مصدرا كالرهبانية لأنه لا ينسب إلى الجمع وهو باق على صيغته بل يرد الجمع إلى واحده فينسب إليه فيقال في النسبة إلى المساجد مثلا مسجدي ولا يقال: مساجدي. نعم، قد يكون لفظ الجمع لكونه اسما لطائفة مخصوصة بمنزلة العلم لها وإن كان جمعا في نفسه فينسب إليه وهو باق على صيغته فيقال في النسبة إلى الأنصار والأعراب والفرائض: أنصاري وأعرابي وفرائضي. قيل في وجه ابتداع النصارى الرهبانية وأخذها من عند أنفسهم أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى عليه الصلاة والسّلام فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: لا نقاتلهم مرة أخرى وإلا أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا حتى نتفرق في الأرض ونتجرد فيها للعبادة. فاختاروا الرهبانية فارين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة، وحملوا المشاق على أنفسهم بالامتناع عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت