حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 126
المطعم والمشرب والنكاح والتعبد في الجبال والغيران والكهوف والديارات والصوامع. عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: إن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام غير الملوك التوراة والإنجيل وساح قوم في الأرض متعبدين. قوله: (وقيل متصل) أي قيل إنه استثناء متصل مما هو مفعول لأجله. والمعنى: ما كلفناهم بها وما طلبنا منهم أن يفعلوها بشيء ما من الأشياء من دفع العقاب عنهم وحصول الثواب والرضوان لهم إلا ابتغاء رضوان اللّه، فصار المعنى: كتبناها عليهم وأمرناهم بها ابتغاء مرضاة اللّه. وهذا قول مجاهد. وقوله:
«وهو» أي كونها مكتوبة عليهم ندبا وابتغاء لمرضاة اللّه يخالف قوله تعالى: ابْتَدَعُوها لأنه يفهم منه أنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم وأنها لم تكتب إلا أن يقال: لا تنافي بين كونها مكتوبة عليهم وبين اختراعهم إياها من تلقاء أنفسهم، لأن التنافي إنما يكون أن لو كانت الكتبة مقدمة على الاختراع وليس بلازم. وقوله: «أو ابتدعوها وأتوا بها أولا» أي قبل سائر الناس والحديث ضد القديم «واستحدثوها» أي فعلوها حديثا جديدا لم يسبقهم سائر الناس فيها، والابتداع بهذا المعنى لا ينافي كونها مكتوبة عليهم وإتيانهم بها بعد الكتبة والابتداع بناء عليها. قوله: (استثناء منقطع) لأن المستثنى هو الابتداع المقارن بالابتغاء. ووجه الاتصال كون الكتبة بمعنى الاستعباد والتذليل المتناول للإيجاب والندب، أو كون الابتغاء مستثنى من أعم العلل. كأنه قيل: ما تعبدناهم بالرهبانية لشيء من الأشياء. واعتبر معه كون الكتبة متناولا للإيجاب والندب ليصح حصر العلة في الابتغاء فإن «كتبنا» لو كان بمعنى فرضنا لما صح الحصر لأن من فعل الواجب لا يفعله لمجرد ابتغاء الرضوان بل يفعله لدفع العقاب المترتب على تركه أيضا، وبهذا التوجيه، وإن صح الاتصال والحصر، إلا أنه بقي أن يقال:
كون الرهبانية مندوبة لهم من قبله تعالى ينافي ابتداعهم إياها. فأجاب عنه أولا بجواز أن يكون الندب بعد الابتداع وثانيا بجواز أن يكونوا ندبوا إليها من أول الأمر وأن يكون معنى الابتداع الانتداب إليها أولا. قوله: (فما رعوها جميعا) جعل الضمير المرفوع في قوله:
فَما رَعَوْها للذين اتبعوه مقيدين بقيد الجميع لأن بعضهم قد رعاها بدليل قوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا فإن معناه آتينا الذين رعوها حق رعايتها وثبتوا على ما التزموه ولم يضيعوا شيئا من حقوقه التي من جملتها الإيمان بنبي آخر الزمان صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله عليه الصلاة والسّلام: «من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون» وحَقَّ رِعايَتِها منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: فَما رَعَوْها كقولك: ما عرفناك حق معرفتك، أي كمال معرفتك. وفي الآية دليل على أن من شرع في فعل لم يكتب عليه من وجوه العبادات لزم عليه إتمامه ورعايته، وإن شرع فيما ليس عليه حتى لزمه ثم تركه استحق