حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 135
محرفا عن الحق فإن الزوجة لا تشبه الأم وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) لما سلف منه مطلقا، أو إذا تيب عنه.
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي إلى قولهم بالتدارك ومنه المثل: عاد العين على ما أفسد وهو ينقض ما يقتضيه، وذلك عند الشافعي بإمساك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المظاهر إنما قال: أنت عليّ كظهر أمي إنشاء لتحريم الاستمتاع بها، فإن حكم الظهار في الشرع أن يحرم على الزوج وطأها بعد الظهار ما لم يكفر، والكلام الإنشائي لا يوصف بالكذب. قلنا: إن قوله إن كان خبرا فهو كذب لا محالة وإن كان إنشاء فهو متضمن لكلام كاذب وهو الزوجة المحللة ملحقة بالأم المحرمة أبدا، ولا شك أنه كلام كاذب. قوله:
(مطلقا أو إذا تيب عنه) فإن مغفرة ما دون الشرك من الكبائر مشروطة بالتوبة عند المعتزلة خلافا لأهل السنة، فإنهم يقولون إنها غير مشروطة بالتوبة بل هي موكولة إلى مشيئة اللّه تعالى إن شاء يغفر له ابتداء وإن شاء يعذبه على حسب ذنبه ثم يدخل الجنة برحمته. قوله: (أي إلى قولهم) يعني أن اللام في قوله تعالى: لِما قالُوا بمعنى «إلى» لأنهما يتعاقبان كثيرا نحو: يهدي للحق وإلى الحق، وأوحى لها وأوحي إليّ، وأن كلمة «ما» فيه مصدرية فكأنه قيل: ثم يعودون إلى قولهم أي يتداركونه بمعنى يدركونه، ويصلون إلى ما أفسده ذلك القول وإلى ما فات عنهم بسببه من وجوه الانتفاع بالزوجات بالمنافع المتوقفة على قيام الزوجية.
يقال: تدارك القوم أي تلاحقوا بأن لحق آخرهم أولهم. والذي يلوح من كلام المصنف أنه فسر العود إلى القول وإلى ما فات بسببه بالتدارك والوصول إليه على طريق إطلاق اسم السبب على المسبب، فإن العود إلى الشيء من أسباب الوصول إليه فإذا عاد الغيث على ما أفسد بهدم شيء من البنيان وإغراق بعض البساتين يراد به أنه تدارك ووصل إلى ما أفسده بأن جبره جبرا يعادله بل هو أفضل منه وأنفع من صلاح الزرع والثمار وسمن المواشي وحصول الخصب والرخاء ونحو ذلك، فلفظ العود فيه أيضا مجاز مرسل بمعنى التدارك والوصول والعود يستعمل على معنيين: أحدهما أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل ذلك فتركه فيكون بمعنى الرجوع إلى ما فارق عنه والآخر أن يصير ويتحول إلى شيء وإن لم يكن على ذلك قبل العود. والعود بهذا المعنى لا يلزم أن يكون رجوعا إلى ما فارق عنه، والعود الذي قلنا إنه سبب للتدارك والوصول هو العود بهذا المعنى وهو التحول إلى الشيء مطلقا. والمثل المذكور يضرب لمن شره قليل ونفعه للناس أكثر من ضرره. ومعنى الآية على هذا: واللّه أعلم والذين يقولون قولا يقتضي بطلان وجوه انتفاعهم بمنكوحاتهم بالمنافع المتعلقة بالزوجية كالوطء ودواعيه والإمساك على سبيل الزوجية، وذلك القول هو التشبيه المعهود فإنه يحرم عليهم جميع ذلك ويبطله ثم ينقضون مقتضى ذلك التشبيه بأن يفعلوا شيئا حرموه به وفوتوه