حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 152
اللَّهَ قَوِيٌ على نصر أوليائه عَزِيزٌ (21) لا يغلب عليه في مراده.
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي لا ينبغي أن تجدهم وادين أعداء اللّه والمراد أنه لا ينبغي أن يوادوهم. وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم أُولئِكَ أي الذين لم يوادوهم. كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ أثبته فيها وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان فإن جزء الثابت في القلب يكون ثابتا فيه وإعمال الجوارح لا تثبت فيه.
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي من عند اللّه وهو نور القلب، أو القرآن، أو النصر على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهو غالب بالحجة. قيل في سبب نزول هذه الآية: إن المؤمنين لما قالوا: لئن فتح اللّه لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أي يظهرنا اللّه تعالى على فارس والروم. فقال عبد اللّه بن سلول: أتظنون أن الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ واللّه إنهم أكثر عددا وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك. فنزلت لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ثم إنه تعالى لما ذم المنافقين وعجب من موالاتهم قوما غضب اللّه عليهم بيّن أنه لا يجتمع الإيمان باللّه واليوم الآخر مع تواد أعداء اللّه وموالاتهم، لأن شرط الإيمان باللّه محبته وطاعته وهما يقتضيان معاداة أعدائه. قال بعض العارفين:
تود عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس القول عنك بعازب
فقال: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ فقوله: «يوادون» صفة «لقوم» بعد صفة أو حال منه. قوله: (أي لا ينبغي أن تجدهم الخ) إشارة إلى أن المؤمن لا يصير منافقا خارجا عن الإيمان بأن حصل في قلبه وداد أعداء اللّه تعالى، لكنه يكون عاصيا صاحب كبيرة، وإن دل ظاهر النظم على أنه لا يجتمع في القلب وداد أعداء اللّه تعالى والإيمان وأن أي قلب حصل فيه مودة عدو اللّه تعالى يصير صاحبه منافقا خارجا عن الإيمان ولا يخفى أنه نهى وزجر عن موالاتهم بأبلغ الوجوه وحمل على التصلب ومجانبتهم والمباعدة عنهم، ثم زاده توكيدا بقوله: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ إلى قوله: أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ثم بقوله: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ثم بمقابلة قوله: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ بقوله في حق أضدادهم أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت إليّ» لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية فعلم منه أن الفساق وأهل الظلم داخلون فيمن حاد اللّه ورسوله أي خالفهما وعاداهما.
واستدل الإمام مالك بهذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم. قوله: (أي من عند اللّه) يعني أن ضمير «منه» للّه تعالى و «من» لابتداء الغاية و «الروح» مستعار إما لنور القلب فإنه