حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 151
مسلمون ويقولون كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في الدنيا أنهم لمنكم. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ في حلفهم الكاذب لأن تمكن النفاق في نفوسهم بحيث يخيل إليهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على اللّه كما تروجه عليكم في الدنيا. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18) البالغون الغاية في الكذب حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة ويحلفون عليه.
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ استولى من حذت الإبل وحزتها إذا استوليت وهو مما جاء على الأصل. فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم. أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ جنوده وأتباعه. أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19) لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد.
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) في جملة من هو أذل خلق اللّه.
كَتَبَ اللَّهُ في اللوح.
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي أي بالحجة. وقرأ نافع وابن عامر و «رسلي» بفتح الياء. إِنَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويقولون كما يحلفون لكم) الظاهر أن يقال: كما يحلفون لكم في الدنيا ويقولون إنهم لمنكم بيّن أن المحلوف عليه في الدنيا قولهم للمؤمنين إنهم لمنكم، وأن المحلوف عليه في الآخرة قولهم: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] والمعنى: إنهم لشدة توغلهم في الكذب والنفاق في الدنيا بقوا في الآخرة على هذا الخلق الرديء مع معاينة ما أوعدوا من الأهوال وانكشاف الأحوال وانقلاب خفايا الأمور ظواهر، فظنوا أنه يمكنهم ترويج كذبهم على علام الغيوب بالأيمان الكاذبة كما تستروا بها واتخذوها جنة في الدنيا.
قوله: (من حذت الإبل وحزنها) يقال: حاذ الإبل يحوذها ويحوزها أي يسوقها. كذا في الصحاح. وليس المراد أن استحوذ بالذال مشتق من الحوز بالزاي إلا أن يراد بالاشتقاق الاشتقاق الأكبر وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج لا في جوهر الحروف. قوله:
(وهو مما جاء على الأصل) يعني استحوذ بالذال فصيح لموافقة استعمال الفصحاء كاستصوب واستنوق، وإن شذ قياسا. إذ القياس أن يقال: استحاذ بقلب الواو ألفا بعد نقل حركتها إلى الحاء. وكان استيلاء الشيطان وغلبته عليهم وسوقه حيثما أراد سببا لارتكابهم المعاصي غير ذاكرين اللّه تعالى ومقامهم بين يديه ومجازاتهم بما صنعوا. قوله: (في جملة من هو أذل خلق اللّه تعالى) لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الآخر فلهذا كانت عزة اللّه تعالى غير متناهية. قوله: (أي بالحجة) لم يذكر الغلبة بالسيف مع أن من بعث بالحزب من الرسل غالبون بالسيف كما أنهم غالبون بالحجة والبرهان، لأن الغلبة بالحجة ثابتة لجميع الرسل بخلاف الغلبة بالسيف فإنها إنما تثبت لمن أمر منهم بالحرب. عن الزجاج أنه قال: غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن بعث منهم بغير حرب