حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 184
«يخرجون» أي يخرجونكم لأجل إيمانكم أو كراهة إيمانكم. وقوله: أَنْ تُؤْمِنُوا خطاب للرسول والمؤمنين بطريق تغليبهم عليه وقوله: بِاللَّهِ رَبِّكُمْ التفات من التكلم في قوله عدوى إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإيمان وهو الألوهية والربوبية. قوله: (علة للخروج) يعني انتصاب «جهادا» و «ابتغاء» على أنهما مفعول لهما «لخرجتم» أي إن كنتم خرجتم لأجلي وطلب مرضاتي لا تتولوا أعدائي، فقد علق النهي عن موالاة الكفار على خروجهم المقيد بكونه للجهاد وابتغاء المرضاة، فيكون هذان الأمران عمدتين للتعليق لما تقرر من أن التقييد هو مدار الفائدة ويعتمد عليه الحكم المقيد، كأنه قيل: لا تتولوا أعدائي إن كنتم مجاهدين في سبيلي وطالبين مرضاتي، وإن كان المعلق عليه صورة هو الخروج.
قوله: (وجواب الشرط محذوف) لأن نفس «لا تتخذوا» لا يصلح جوابا لأن جواب الشرط لا يتقدم عليه عند البصريين بل المتقدم دليل الجواب المحذوف ويحذف الجواب اعتمادا عليه، والكوفيون يجيزون تقدمه عليه. قوله: (بدل من تلقون) فيكون معربا بإعرابه. ويشبه أن يكون من قبيل بدل الاشتمال لأن إلقاء المودة وإلقاء أسراره عليه الصلاة والسّلام إليهم بسبب المودة يكون سرا وجهرا، فأبدل منه «تسرون» لبيان أنه بأي نوع وقع الإلقاء. ويجوز إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ[الفرقان:
68، 69]وقول الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تضرما
قوله: (أو استئناف) أي أنتم تسرون، ولم يرد بالاستئناف كونه جوابا لسؤال مقدر بل أراد به كونه منقطع التعلق عما قبله لفظا وفسره بقوله: «أي طائل لكم في إسرار المودة» بناء على أن قوله: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مسوق للإنكار بمعنى أنه كلام منقطع التعلق عما قبله لفظا يتضمن الاستفهام الإنكاري، كأنه قيل: أي نفع لكم في الإسرار، والحال أنه لا فرق بين الإسرار والإعلان بالنسبة إليّ وهما سيان في علمي، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون.
قوله: (أي منكم) على أن اعلم أفعل تفضيل أي أنا أعلم منكم بما تخفون وما تعلنون.
قيل: هذا كله معاتبة لحاطب وهو يدل على فضله ونصاحته للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وصدقه في إيمانه، لأن المعاتبة لا تكون إلا من المحب لحبيبه كما قيل:
إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
ثم إنه تعالى أخبر المؤمنين بعداوة أهل مكة لهم وشدة شكيمتهم فيها وأنه لا ينفعهم إلقاء المودة إليهم فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ أي إن يظفروا بكم. قوله: (ومجيئه) أي مجيء