حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 185
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذين توالون المشركين لأجلهم يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يفرق بينكم بما عراكم من الهول فيفر بعضكم من بعض فما لكم ترفضون اليوم؟ حق اللّه لمن يفر منكم غدا. وقرأ حمزة والكسائي بالتشديد وكسر الصاد وفتح الفاء. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو «يفصل» على البناء للمفعول مع التشديد وهو «بينكم» وعاصم «يفصل» . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) فيجازيكم عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«ودوا» وحده يعني أنه معطوف على جواب الشرط وهو قوله: «يكونوا» و «يبسطوا» وهو مضارع، وكذا الشرط وهو «يثقفوكم» ولما كانت هذه الأفعال الثلاثة مضارعة كان الظاهر أن يكون «ودوا» مضارعا أيضا ليكون الشرط والجزاء وما عطف عليه على سنن واحد، إلا أنه جاء وحده بلفظ الماضي للإشعار بأن ارتداد المؤمنين أهم الأشياء عندهم حتى كانوا يتمنونه قبل إظهار العداوة وبسط الأيدي والألسن وقبل أن يثقفوكم أيضا. وذلك لأن العدو أهم شيء عنده أن يضيع أعز شيء عند من يعاديه وهم يعلمون أن الذين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم تبذلون أنفسكم وأموالكم دونه فهو أعز عليكم من الدنيا وما يتعلق بها. فلما كان ارتداد المؤمنين أعز المطالب عندهم وكانوا يتمنونه قبل كل شيء جاء «ودوا» بلفظ الماضي للإشعار بذلك، وبأن ودادتهم حاصلة وإن لم يثقفوهم. ويجوز أن لا يكون «ودوا» معطوفا على جواب الشرط بل يكون معطوفا على قوله: وَقَدْ كَفَرُوا أي وقد كفروا وأحبوا كفركم. ثم إنه تعالى أخبر أن القرابات والأولاد التي يوالون الكفار من أجلها ويحامون عنها لا تنفعهم فقال: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ على أن يكون الظرف متعلقا بقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ ثم يستأنف بقوله: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ أي يقضي اللّه بينكم بالحق.
إلا أن المفهوم من تحرير المصنف أن يكون الظرف متعلقا بقوله: «يفصل» ويكون الفصل بمعنى التفريق بين الأرحام بإدخال المؤمن منهم الجنة والكافر النار، وبأن تفريقهم من بعض بسبب ما عراهم من الهول أي غشيهم. ولما اعتذر حاطب في إفشائه سر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإظهاره موالاة الكفار بأن له أرحاما وأولادا فيما بينهم وليس لهم من يحميهن من قبلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا الخ بيّن اللّه تعالى خطأه في رأيه بأن أخبره أولا أن من والاهم وتوقع حماية أرحامه وأولاده منهم أعداء فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ الآية ثم أخبره ثانيا أن أرحامك وأولادك الذين توالي الكفار لأجلهم سيفرون منك عن قريب فقال: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ الآية. قوله: (وقرأ حمزة والكسائي بالتشديد) أي يفصل بضم الباء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة على بناء الفاعل من التفصيل. وقرأ ابن عامر «يفصل» بضم الياء وفتح الفاء والصاد المشددة على بناء المفعول من التفصيل. وقرأ عاصم «يفصل» بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد على بناء الفاعل من الثلاثي. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «يفصل» بضم