حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 221
ذلك
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ حلفهم الكاذب أو شهادتهم هذه فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد. وقرئ «إيمانهم» جُنَّةً وقاية من القتل والسبي. فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الفاسد. ولما كان ظاهر الآية دليلا على ما ذهب إليه النظّام من أن صدق الخبر مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر وكذبه عدم مطابقته لاعتقاد المخبر من حيث إنه تعالى حكم بأن المنافقين كاذبون في قولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ مع أن حكمه مطابق للواقع لأنه تعالى إنما كذبهم لإخبارهم بما يخالف اعتقادهم، فقد ثبت أن الكذب باعتبار عدم مطابقة الحكم للاعتقاد كما أن الصدق باعتبار مطابقة الحكم للاعتقاد، أشار المصنف إلى الجواب عن استدلاله ببيان أن التكذيب راجع إلى قولهم: نَشْهَدُ باعتبار تضمنه خبرا كاذبا وهو أن إخبارهم بأنك رسول اللّه شهادة بمعنى كونه إخبارا عن علم يقيني، ومن المعلوم أن هذا الخبر الضمني كاذب لعدم مطابقة حكمه للواقع لكونه إخبارا بما ليس في قلوبهم لأن في قلوبهم الخبيثة اعتقاد أنك رسول اللّه غير مطابق للواقع واللّه يعلم أنك لرسوله، فإن قلت:
أي فائدة في أنه جيء بقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ جملة معترضة بين قوله: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وبين قوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ قلنا: جيء بها لفائدة وهي أنه لو قيل: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لكان يوهم أن قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ليزول هذا الوهم. قوله:
(اتخذوا إيمانهم حلفهم الكاذب) مثل حلفهم باللّه أنهم لمنكم والحال أنهم ما هم من المسلمين، فإنهم كلما اطلع منهم على شيء من النفاق كانوا يحلفون أنهم براء منه كما قال تعالى خبرا عنهم: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ [التوبة: 96] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [التوبة: 74] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [التوبة: 56] روى البخاري عن زيد بن أرقم أنه قال: كنت مع عمى فسمعت عبد اللّه بن أبي ابن سلول يقول: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: 7] ويقول: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأرسل عليه الصلاة والسّلام إلى عبد اللّه بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فصدقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي فأنزل اللّه عز وجل: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إلى قوله:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وقوله: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ فأرسل إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال: «إن اللّه صدقك يا زيد» فالمراد بالأيمان التي اتخذوها جنة هي حلفهم بأنهم ما قالوا ذلك فإنهم اتخذوها جنة يتسترون بها من إراقة الدماء وسبي الذراري والنساء واستغنام الأموال، كما يتوقى بالجنة في الحرب من مضرة الأعداء.
ويحتمل أن يكون المراد بأيمانهم قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ قال القرطبي: من قال: