فهرس الكتاب

الصفحة 5051 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 261

أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة. لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ فيما مضى وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (6) فيما يستقبل أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم، أو العذر لا ينفعهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا أي بالغة في النصح وهو صفة التائب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأمور. قوله: (أو غلاظ الخلق شداد الخلق) لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب مقتضى جبلتهم تعذيب الخلق كما أن مقتضى الحيوان الأكل والشرب ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة لو ضرب أحدهم بمقمعته ضربة واحدة سبعين ألفا لهووا في النار. وقال عليه الصلاة والسّلام في حق خزنة جهنم: «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب» .

قوله: (فيما مضى وفيما يستقبل) لما توهم اتحاد الجملتين من حيث المعنى لأن العصيان عبارة عن مخالفة الأمر وترك المأمور به فيكون انتفاء العصيان بإتيان المأمور به فيكون عطف قوله: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ على ما قبله كعطف الشيء على نفسه. أشار بما ذكره إلى الفرق بين الجملتين بأن إتيان المأمور به علق أولا بقوله: ما أَمَرَهُمْ وثانيا بقوله: ما يُؤْمَرُونَ فاختلفت الجملتان باختلاف المتعلق. وتقرير الوجه الثاني أن المراد بعدم العصيان تقبل ما أمروا به والالتزام بإتيانه من غير استثقال وتردد وبفعل ما أمروا به إتيانه حسبما التزموه. ثم إنه تعالى لما أمر المؤمنين بترك المعاصي وفعل الطاعات بيّن لهم أن العذر لا يقبل يوم القيامة فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا الآية ثم نبّه المؤمنين على أن طريق وقاية الأنفس من النار هو التوبة النصوح فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا قوله: (أي بالغة في النصح) إشارة إلى أن «نصوحا» من أبنية المبالغة مثل: صبور وشكور، والنصح والنصاحة خلوص الود وصفاء المحبة. قال الأصمعي: الناصح الخالص من العسل وغيره، وكل شيء خلص فقد نصح. وقيل: النصح الصدق من قولهم: نصحت الإبل الشرب تنصح نصوحا أي صدقته، وأنصحتها أنا أي أرويتها، ومنه التوبة النصوح وهي الصادقة التي يقلع بها صاحبها عن المعصية قلبا وقالبا ويندم على ما صدر منه كمال الندامة، ونصح التوبة بمعنى صدقها يستلزم كون صاحبها ناصحا نفسه خالصا في إرادة الخير لها. فإن التائب إذا صدق اللّه تعالى في توبته بأن توجه إليه بكليته راجعا عن المعصية بأتم وجوهه فقد نصح وخلص نفسه بتوبته على الوجه المذكور، فلذلك لم يتعرض المصنف لتفسير النصح بالصدق وقال: وهو صفة التائب وجعل إسناد النصح إلى التوبة إسنادا مجازيا كما في جد جده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت