حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 304
متمكنون فيه مزاحو العلل فيه.
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ كله إليّ فإني أكفيكه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سندنيهم من العذاب درجة درجة بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) أنه استدراج وهو الإنعام عليهم لأنهم حسبوه تفضيلا لهم على المؤمنين
وَأُمْلِي لَهُمْ وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) لا يدفع بشيء وإنما سمّي إنعامه استدراجا بالكيد لأنه في صورته
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا الإرشاد فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ من غرامة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أداء الصلاة من أيام الدنيا إما من القسوة النازلة بهم من هول ما عاينوه عند النزع وإما بسبب العجز الحاصل لهم بسبب المرض أو الهرم، وقد كانوا يدعون إلى السجود زمان الصحة بقول المؤذن حي على الصلاة فلا يجيبون وهم أصحاء معافون قال كعب الأحبار: واللّه ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقوله تعالى: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ حال من مرفوع «يدعون» و «أبصارهم» مرفوع على أنه فاعل «خاشعة» ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء خاشعة ذليلة متواضعة لظهور أمر خشوع الجميع فيها، وقوله: وَهُمْ سالِمُونَ حال من مرفوع «يدعون» الثانية. ثم إنه تعالى لما خوّف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في تخويفهم بذكر وعيده وما في قدرته من القهر فقال: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ وهو القرآن وقيل: القيامة والمعنى كل أمره إليّ فإني أكفيكه أي إذا علمت يوم القيامة واشتداد الأهوال الآتية فيه فكل أمر المكذبين إليّ. وهذه تسلية له عليه الصلاة والسّلام وتهديد لمن كذبه. قوله: (ومن) منصوب بالعطف على ضمير المتكلم، أو أنه مفعول معه وهو مرجوح لإمكان العطف من غير ضعف. قوله: (سندنيهم من العذاب درجة درجة) أي حتى نوقعهم فيه. قوله: (وهو الإنعام عليهم) أي أدناؤهم من العذاب من حيث لا يعلمون أنه استدراج هو الإنعام عليهم لأنهم يحسبونه تفضيلا لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة سبب لإهلاكهم، فإن العبد إذا كان بحيث كلما ازداد ذنبا جدد اللّه له نعمة وأنساه التوبة والاستغفار كان ذلك منه استدراجا بحيث لا يشعر العبد أنه استدراج. روي أن رجلا من بني إسرائيل قال: يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني. فأوحى اللّه تعالى إلى نبي زمانه أن قل له: كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر كونها عقوبة، إن جمود عينك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو عقلت. وعنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «إذا رأيت اللّه تعالى ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج» . وتلا هذه الآية. قوله:
(لأنه في صورته) أي في صورة الكيد وهو المكر والاحتيال لأن ظاهره إحسان وإنعام وحقيقته إهلاك وعذاب، ولا خفاء أن الإهلاك بما في صورة الإحسان في صورة الكيد والاحتيال. قوله تعالى: (أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا) معطوف على قوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أي لا تلتمس منهم أجرا على ما تدعوهم إليه من الإيمان والطاعة حتى يثقل عليهم تحمل الغرامات