حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 305
مُثْقَلُونَ (46) بحملها فيعرضون عنك
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اللوح أو المغيبات فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) منه ما يحكمون ويستغنون به عن علمك.
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم. وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يونس عليه السّلام إِذْ نادى في بطن الحوت وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) مملوء غيظ من الضجرة فتبتلى ببلائه.
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني التوفيق للتوبة وقبولها وحسن تذكير الفعل للفصل. وقرئ «تداركته» و «تداركه» أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه. لَنُبِذَ بِالْعَراءِ بالأرض الخالية عن الأشجار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بذل المال فيثبطهم ذلك عن الإيمان والطاعة، والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك بل هي سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة والمغرم الغرامة. ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريق الكفار وفي زجرهم عما هم عليه قال له عليه الصلاة والسّلام: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي لقضائه أو لما حكم به من إمهالهم وتأخر نصرتك عليهم.
قوله تعالى: (إِذْ نادى) منصوب بمضاف محذوف أي لا يكن حالك كحاله أو قصتك كقصته في وقت ندائه ربه وتوبته وهو في بطن الحوت وهو في ذلك الوقت كان مكظوما أي مملوءا غما وغيظا وحزنا، من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى: لا يوجد منك ما يوجد منه من الضجرة والمغاضبة فتبتلي ببلائه. فإن يونس عليه الصلاة والسّلام لم يصبر على أذى قومه وخرج مغاضبا فضيق اللّه تعالى عليه فالتقمه الحوت، ونداؤه ما أخبر اللّه تعالى به عنه وهو قوله: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] ذكر توبته ههنا ولم يذكر زلته تصريحا بل ذكرها تعريضا حيث ذكر نداءه وتوبته، فلا يرد أن يقال:
كيف يصح أن ينهى أحد عن أن يكون حاله كحال يونس إذ نادى في بطن الحوت مع أن حاله وقت ندائه هو التوحيد والتسبيح والاعتراف بالذنب والتوبة عنه، وكل ذلك طاعة والطاعة لا ينهى عنها وذلك لأن المراد بحاله وقت ندائه الحالة التي اقتضت الطاعة المذكورة المدلول عليها تعريضا بذكر هذه الطاعة تصريحا، وقد ذكرت تلك الحال صريحا في قوله تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ [الأنبياء: 87، 88] نقل صاحب التيسير عن الحسين بن الفضل أنه قال: «إذ نادى» لا يتعلق ب «لا تكن» إذ النداء طاعة فلا ينهى عنها فالأوجه أن يكون مفعولا به «لا ذكر» مقدرا. قوله: (وحسن تذكير الفعل) مع كونه مسندا إلى النعمة للفصل بينه وبين فاعله بالضمير المنصوب مع أن تأنيث النعمة غير حقيقي وفيما أسند إلى ظاهر غير حقيقي يجوز الأمران، ولأن النعمة والإنعام بمعنى واحد. وتدارك فعل ماض بمعنى أدركه ويدل عليه قراءة من قرأ «تداركته» بزيادة تاء