فهرس الكتاب

الصفحة 5100 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 310

والتهويل لها، فوضع الظاهر موضع الضمير لأنه أهول لها

وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) وأي شيء أعلمك ما هي أي أنك لا تعلم كنهها فإنها أعظم من أن تبلغها دراية أحد.

و «ما» مبتدأ و «أَدْراكَ» خبره

كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (4) بالحالة التي تقرع الناس بالإفزاع والإجرام بالانفطار والانتثار، وإنما وضعت موضع ضمير الحاقة زيادة في وصف شدتها.

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة وهي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورد أن يقال: الجملة الواقعة خبر المبتدأ لا بد فيها من العائد ولا عائد في هذه الجملة؟

أجيب بأنه صح ذلك لاشتمالها على الظاهر الذي أقيم مقام الضمير العائد، فإن أصلها الحاقة ما هي أي أي شيء هي؟ وضع الظاهر موضع الضمير تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها فإن معنى التفخيم وإن كان مستفادا من الجملة الاستفهامية إلا أنه إذا وضع الظاهر موضع الضمير يكون ذلك أدل عليه وآكد، فإن البلغاء يضعون الظاهر موضع الضمير في نظمهم ونثرهم لقصد التعظيم والتفخيم فيقولون: زيد ما زيد بدل أن يقال: ما هو؟ لتعظيم شأنه وتفخيم أمره، فإن دلالة الظاهر على ما هو منشأ التعظيم والتهويل أكثر من دلالة الضمير عليه. فقول المصنف: «على التعظيم لشأنها» بيان لمعنى الاستفهام وقوله: «لأنه أهول لها» إشارة إلى نكتة وضع الظاهر موضع الضمير.

قوله: (وأي شيء أعلمك ما هي) إشارة إلى أن «ما» الأولى استفهامية ومعناها التفخيم والتعظيم وكذا «ما» الثانية، وكل واحدة منهما مبتدأ وما بعدها خبر والجملة الثانية في محل النصب على أنها مفعول ثان «لأدري» بل هي سادة مسد المفعول الثاني والثالث له لأنه بمعنى أعلم وهو يتعدى إلى ثلاثة، وإدراك غير عامل فيها لما فيها من معنى الاستفهام.

قوله: (تقرع الناس بالإفزاع) أي تصيبهم بها كأنها تقرعهم بها. شبهت الإصابة بالقرع فسميت باسمه، ثم اشتق منه فهي استعارة تبعية. وكان مقتضى الظاهر أن يقال: كذبت ثمود وعاد بها أي بالحاقة من حيث إنه تعالى لما ذكر الحاقة وفخم شأنها شرع في ذكر من كذب بها وما خلق لهم بسبب التكذيب تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم، إلا أنه وضع لفظ القارعة موضع ضمير الحاقة لما في القارعة من الدلالة على الشدة والهول ما ليس في ضمير الحاقة. وثمود قوم صالح عليه الصلاة والسّلام وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز، وعاد قوم هود عليه الصلاة والسّلام وكانت منازلهم بالأحقاف والأحقاف رمل بين عمان إلى حضرموت أو اليمن كله. قوله: (بالواقعة المجاوزة للحد) يعني أن الطاغية صفة لمحذوف هي الواقعة، وأن الطغيان مجاوزة الحد في أي شيء كان، وأن الباء فيها للاستعانة كما في: كتبت بالقلم. وتلك الواقعة هي الصيحة المجاوزة في قوتها وشدتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت