حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 352
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (26) أي أحدا وهو مما يستعمل في النفي العام فيعال من الدار أو الدور، وأصله ديوار ففعل به ما فعل بأصل سيد لا فعال وإلا لكان دوارا.
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا (27) قال ذلك لما جربهم واستقرى أموالهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما ذكر إنما يصحح التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي ولا يكون دليلا على ترك الظاهر.
ومن المعلوم أن العدول عن الظاهر من غير دليل لا وجه له فالوجه أن يراد به عذاب القبر، ومن مات في ماء أو نار وأكلته السباع والطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب كقوله تعالى في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: 46] وعن الضحاك: أنهم كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب. وهو يؤيد كون المراد به عذاب القبر. قوله: (فيعال من الدار أو الدور) يعني أن «ديارا» على الأول أحد ينزل الدار ويسكنها، وعلى الثاني أحد يدور في الأرض بأن يذهب ويجيء. وأنكر بعضهم كونه من الدوران وقال: لو كان من الدوران لم يبق على الأرض جني ولا شيطان وليس كذلك فينبغي أن يكون من الدار ويكون المعنى: أهلك كل نازل دارا وساكنها من الكفار أي كل إنسي منهم. قوله: (لا فعال وإلا لكان دوارا) أي لكان ينبغي أن تفتح واوه ولا تقلب ياء، لأن أصل دار دور فقلبت واوه ألفا، فلما ضعفت عينه كان دوارا بواو صحيحة مشددة إذ لا وجه لقلبها ياء وكذا الحال إذا كان فعالا من الدور. قوله: (قال ذلك لما جربهم) جواب عما يقال: كيف عرف أنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا حتى دعا في حقهم بأن يهلكهم اللّه تعالى جميعا؟ وأخبر عنهم بأنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا أي إلا ما سيكون فاجرا كفارا إذا بلغ مبلغ التكليف فهو من قبيل تسمية الشيء بما سيؤول إليه. وتقرير الجواب: أنه عليه السّلام عرف ذلك بالتجربة والاستقراء فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف طباعهم واستقرى أحوالهم وأخلاقهم حتى قيل: كان الرجل منهم ينطلق بابنه ويقول: احذر هذا فإنه كذاب وأن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على مذهب الكبير في العتو والعناد، وكما أنه عليه السّلام عرف ذلك بالاستقراء عرفه بالنص أيضا. قال قتادة: إنه عليه السّلام دعا عليهم بعد أن أوحى اللّه تعالى إليه أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: 36] فحينئذ دعا عليهم بذلك لما أيس من إيمانهم وتيقن بإطراد النجاسة في جميعهم، وأنه يجب تطهير وجه الأرض منهم، فأجاب اللّه تعالى دعاءه وأهلكهم جميعا. فإن قيل: ما بال صبيانهم أغرقوا؟ قلنا: أغرقوا لا على وجه التعذيب كما يموتون بسائر الأسباب، فكم من صبي يموت بالغرق والحرق والهدم وغيرها وكان ذلك زيادة في تعذيب الآباء والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون. ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام