فهرس الكتاب

الصفحة 5146 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 355

المجردة. وقيل: نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها. وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفلاسفة ينكرون وجود الجن في الخارج. روي أن أبا علي بن سينا حد الجن بأنه حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة. ثم قال: وهذا شرح للاسم أي بيان لمدلول هذا اللفظ مع قطع النظر عن انطباقه على حقيقة خارجية سواء كان معدوما في الخارج أو موجودا ولم يعلم وجوده فيه، فإن التعريف الاسمي لا يكون إلا كذلك بخلاف التعريف الحقيقي فإنه عبارة عن تصوير ماله حقيقة خارجية في الذهن. وجمهور أرباب الملل المصدقين بالأنبياء قد اعترفوا بوجوده واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة أيضا. واختلف المثبتون على قولين:

الأول أن الجن أجسام عاقلة خفية والقول الثاني أنهم ليسوا أجساما، واللاجسمانية لا يقتضي مشاركتها لذاته تعالى في ذاتي مشترك ليلزم امتيازها عنه بفصل مميز ويلزم ترك الواجب. ثم إن تلك الجواهر المجردة مختلفة بالماهية وإن كانت متشاركة في بعض الأوصاف العرضية فبعضها خيرة كريمة مائلة إلى الخيرات وبعضها دنيئة خسيسة مائلة إلى الشرور والآفات.

والخيرة قد تكون منزهة عالية عن تدبر الأجسام بالكلية وهي الملائكة المقربون، وقد تكون متعلقة بتدبير الأجسام وأشرفها حملة العرش، ثم الحافون حول العرش، ثم ملائكة الكرسي، ثم ملائكة السموات طبقة طبقة، ثم الملائكة المتعلقة بتدبير عالم البسائط العنصرية، ثم ملائكة عالم المركبات المعدنية والنباتية والحيوانية، ثم صلحاء الجن فإنها حسنة مشرقة خيرة. والكدرة الشريرة السيئة هي المسماة بالشياطين والماردين من الجن وكل نوع من هذه الأنواع المختلفة بالماهية يقدر على أفعال شاقة عظيمة تعجز عنها قوة البشر. وقيل: الجن نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها فإنها حال تعلقها بأبدانها إن استكملت بالفضائل العلمية والعملية ثم فارقت عنها ازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية وإن تخلت وتعطلت عن الفضائل والكمالات وانهمكت في قضاء الشهوات النفسانية وسلكت سبيل الغواية في كل باب من بابي الأعمال والعقائد تكون بعد مفارقتها عن بدنها باقية على غوايتها، فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه للبدن الذي فارقت تلك النفس عنه فبسبب تلك المشابهة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها في ذلك البدن، فإن الجنسية علة الضم، فإن التقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما، وإن التقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة.

قوله: (وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسّلام ما رآهم) كما ذهب إليه ابن عباس حيث قال: انطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وأدركهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت