حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 372
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا أي ليعلم النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبرائيل والملائكة النازلون بالوحي. أو ليعلم اللّه تعالى أن قد أبلغ الأنبياء بمعنى ليتعلق علمه به موجودا. رِسالاتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب أن يقال: الرسول من البشر يتلقى من الملك بالذات والولي لا يتلقى بالذات بل بواسطة تصديقه بالنبي، فلا حاجة إلى تخصيص الرسول بالملك لأن معنى الآية لا يطلع على الغيب المخصوص به علمه إلا الرسول من البشر فإنه تعالى يطلعه عليه بواسطة أن يتلقاه من الملك وبالذات، ولا يطلع الولي عليه بأن يتلقاه من الملك بالذات وذلك لا ينافي أن يتلقاه من الملك بواسطة تصديقه بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أنه يجوز أن يتلقى النبي الغيب من غير واسطة الملك كما صرح به المصنف في قوله تعالى آخر حم عسق وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى: 51] حيث قال: إن المراد بالوحي ما يعم المشافه به، كما روي في حديث المعراج والإسراء، فإنه يدل على أنه تعالى قد أظهر النبي على بعض المغيبات بلا واسطة فكيف يجوز تخصيص الرسول بالملك؟ وقوله: «على الغيب المخصوص به علمه» قسيم ما نصب عليه دليل كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله وهو المراد بقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] ثم إنه تعالى ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام فقال: (فإنه يسالك) أي يدخل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي يدي الرسول وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا أي حرسا من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه الشيطان فيلقيه إلى الكهنة فيخبرون به قبل إخبار الرسول. قوله: (أي ليعلم النبي الموحى إليه) فقوله:
«ليعلم» متعلق بمحذوف دل عليه الكلام كأنه قيل: أخبرناه بحفظ الوحي عن اختطاف الشياطين ليعلم رسول البشر أن رسل الملائكة أبلغوا رسالات ربهم كما هي. قوله: (أو ليعلم اللّه) أي ليعلم أن الأنبياء قد أبلغوا رسالات ربهم كما هي أي يعلم تبليغهم الرسالات كما هي موجودة. وأصل المعنى: ليبلغ الأنبياء رسالات ربهم كما هي محروسة عن الزيادة والنقصان. وعبّر عن هذا المعنى بعلمه تعالى تبليغهم إياها كما هي لكونه أبلغ في الدلالة على تحقق التبليغ على الوجه المذكور كناية عن وجوده لكونه لازما له ومتفرعا عليه، وقد تقرر أن ذكر الشيء كناية أبلغ من التصريح به وقوله: ليتعلق علمه به موجودا مبني على أن نفس علم اللّه تعالى ليس مما يتفرع على وجود شيء من الحوادث بل المتفرع عليه هو تعلقه بالأحوال الحادثة على حسب ما هي عليه، والتبدل والتغير إنما هو في المعلوم لا في العلم، فإنه تعالى يعلم جميع الجزئيات على وجه جزئي فعند وجودها يعلم أنها وجدت وعند عدمها يعلم أنها عدمت وقبل ذلك يعلم أنها ستوجد وتعدم. ولما كان المراد من العلم بالتبليغ العلم الذي يتعلق به الجزاء وذلك هو العلم بكونه موجودا قيد التبليغ بقوله: «موجودا» فقال:
ليتعلق علمه به موجودا، والعلم إنما يتعلق بالتبليغ موجودا حال وجود التبليغ، وأما قبل