حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 389
نزلت. وقيل تأذى من قريش فتغطى بثوبه مفكرا، أو كان نائما متدثرا. فنزلت. وقيل:
المراد بالمدثر المدثر بالنبوة والكمالات النفسانية، أو المختفي فإنه كان بحراء كالمختفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بذلك؛ فمنهم من قال: إنه عليه الصلاة والسّلام تدثر به بناء على اقشعرار جلده وارتعاد فرائصه رعبا من الملك الذي رآه على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلألئ من حيث إنه رأى ما لم يره قبل ولم يستأنس به بعد، فظن أن به مساس الجن فخاف على نفسه لذلك. ومنهم من قال: إنه عليه الصلاة والسّلام تدثر اغتماما لما سمع أن قريشا قد اجتمعوا فقالوا: قد اختلفت كلمتنا في الإخبار عن حال محمد فمن قائل إنه مجنون، ومن قائل هو كاهن، ومن قائل هو شاعر أو ساحر، ووفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألون عن أمره وإذا سمعوا منكم هذه الأجوبة المختلفة لا يصدقونكم لعلمهم بأن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد فيحملون تكذيبكم إياه على التعصب والحسد، فسموه باسم واحد تجتمعون عليه يكون أشبه بحاله. فقال الوليد بن المغيرة: إني فكرت فيه واخترت أن اسميه ساحرا لأن الساحر من شأنه أن يفرق بين الأب وابنه وبين أخ وأخيه وبين المرأة وزوجها وشأنه ذلك. فقبلوا منه ذلك واتفقوا عليه. فلما سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزونا فتدثر بثوبه مفكرا كما يفعله المغموم. وقال بعضهم: إنه عليه الصلاة والسّلام إنما تدثر لأنه غلب عليه النوم فتدثر واضطجع نائما، فجاءه جبريل عليه الصلاة والسّلام وأيقظه وقال: إن الدنيا اليوم مملوءة من الكفار وأنت وحدك بانفرادك قد أرسلت لتدعوهم إلى الإسلام وتنذرهم بسوء عاقبة الكفر والطغيان، ومن هذا شأنه كيف يليق به التفرغ للاستراحة والتلفف بالدثار؟ فأزل عنك الغفلة وكن على جد وصدق عزيمة في القيام على مقتضى منصبك وأنذر قومك. وقال آخرون: ليس المراد بالدثار ما هو دثار حقيقة بل المراد به خلعة النبوة والكمالات النفسانية تشبيها لها بما هو دثار حقيقة من حيث إن كل واحد منهما زينة وشرف لصاحبه كما يقال: ألبسه اللّه تعالى لباس التقوى وزيّنه برداء العلم فكأنه قيل: يا أيها المبعوث للإنذار المدثر بدثار الرسالة قم لما بعثت له.
وقيل: المراد بالدثار جبل حراء. ومعنى تدثره عليه الصلاة والسّلام اختفاؤه فيه اعتزالا عن الخلق شبّه اختفاؤه فيه بالدثار، فكأنه قيل: يا أيها المدثر بدثار الاختفاء قم من زاوية الخمول واشتغل بالإنذار. وقيل: في هذه العبارة لطيفة من جهة المعنى وهي أن المنذر إذا أنذر عن شدة الأمر وهجوم العدو عن قريب يرتفع لأعلى المواضع ويتجرد عن ثيابه وينادي قومه: يا صحباه النجاة النجاة، ولما كان عليه الصلاة والسّلام متدثرا خاطبه اللّه تعالى بيا أيها المدثر فكأنه تعالى يقول: بعثتك نذيرا فالتدثر لا ينبغي لشأنك وإنما اللائق بك أن تكون عريانا كما قال عليه الصلاة والسّلام: «أنا المنذر العريان» .