حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 411
وقد مر الكلام فيه في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: 75] وقرأ قنبل «لأقسم» بغير ألف بعد اللام، وكذا روي عن البزي.
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) بالنفس المتقية التي تلوم النفوس المقصرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرها، أو التي تلوم نفسها أبدا وإن اجتهدت في الطاعة، أو النفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة، أو بالجنس لما روى عليه الصلاة والسّلام قال: «ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة إن عملت خيرا قالت: كيف لم ازدد؟ وإن عملت شرا قالت:
ليتني ما كنت قصرت». أو نفس آدم فإنها لم تزل تلوم على ما خرجت به من الجنة وضمها إلى يوم القيامة لأن المقصود من إقامتها مجازاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متميز بذلك حتى لا يدّعي ذلك أحد. ويجوز أن يكون مراده أن كلمة «لا» في الآية لنفي ما ينافي المقسم عليه ورد من قال بذلك، فكأنه قيل: ليس الأمر كما يزعم منكرو البعث. ثم استأنف القسم فقال: أقسم بيوم القيامة إنكم لتبعثن، ومعنى قوله: «للتأكيد» أي لنفي ما ينافي المقسم عليه تأكيدا للقسم. وجواب القسم في الآية محذوف يدل عليه قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أن لن نَجْمَعَ عِظامَهُ إذ هو لا يصلح جوابا لكونه جملة إنشائية، كأنه قيل: أقسم بيوم القيامة إنكم لتبعثن، ثم أكد هذا المعنى بالإنكار على حسبان أنه تعالى لا يقدر على إحياء من في القبور بجمع عظامهم النخرة وأجسادهم البالية المتلاشية. ويحتمل أن يكون مراده أن كلمة «لا» ههنا لنفي القسم والمعنى: لا أقسم بيوم القيامة على حقية البعث والقيامة لأن هذا المطلوب أعظم وأجل من أن يقسم عليه، ويكون المقصود تأكيد المقسم عليه وتفخيم شأنه وبيان استغنائه عن الإقسام عليه. قوله: (أو بالجنس) يعني أن قوله تعالى:
اللَّوَّامَةِ إما صفة مخصصة لجنس النفس المتقية خصصها بالتي تلوم المقصرين في التقوى، وإما مؤكدة بناء على تعريف الجنس وإن كان للعهد والمعهود النفس المتقية إلا أنها تلوم نفسها أبدا. ثم ذكر احتمال أن يكون المعهود النفس المطمئنة أي المستقرة الثابتة على الحق المتقية بحيث لا تلتفت عنه إلى ما سواه. فإن القوة العاقلة إذا أخذت في سلسلة الأسباب والمسببات وانتهت في مدارج الارتقاء إلى واجب الوجود لذاته الذي هو مستغن عن جميع ما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله وأن جميع ما سواه يحتاج إليه في جميع شؤونه فلا جرم تقف عنده وتطمئن إليه ولا تنتقل عنه إلى غيره، فتثبت في مقام العبودية فلا يزعجها عنه شيء من حظوظ عالم الطبيعة ولذاته الفانية، فهذه النفس المعهودة لوامة للنفس الأمارة والمطمئنة إلى الحق المستغرقة في بحار معرفته وملاحظة جلاله وجماله أخص من المتقية عما يؤثم. ثم ذكر احتمال أن يكون تعريف النفس للاستغراق وتكون اللوامة صفة مؤكدة.
قوله: (وضمها إلى يوم القيامة) جواب عما يقال: ما المناسبة بين القيامة وبين النفس