حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 416
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) أي الفرار يقوله قول الآيس من وجد أنه المتمني. وقرئ بالكسر وهو المكان.
كَلَّا ردع عن طلب المفر. لا وَزَرَ (11) لا ملجأ مستعار من الجبل.
واشتقاقه من الوزر وهو الثقل.
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) إليه وحده استقرار العباد أو إلى حكمه استقرار أمرهم، أو إلى مشيئته موضع قرارهم يدخل من شاء الجنة ومن شاء النار.
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بما قدم من عمل عمله وبما أخر منه لم يعمله، أو بما قدم من عمل عمله أو بما أخر من سنة حسنة أو سيئة عمل بها بعده، أو بما قدمه من مال تصدق به وبما أخر فخلفه أو بأول عمله وآخره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: (يَقُولُ الْإِنْسانُ) جواب «إذا» في قوله: فَإِذا بَرِقَ و «إذا» ظرف معمول له و «أين المفر» منصوب المحل بالقول أي يقول هذا الإنسان المنكر للقيامة إذا عاين هذه الأحوال وأيقن سوء عاقبة إنكاره أين الفرار من حيث إنه لا يرى شيئا من أمارات تمكنه من الفرار. والمفر بفتح الميم وكسر الفاء اسم للمكان المفر إليه. قوله: (مستعار من الجبل) فإن الوزر في الأصل الجبل المنيع، ثم أطلق لكل ما يلجأ إليه ويتحصن به تشبيها له بالجبل المنيع. والمعنى: لا شيء يعتصم به من أمر اللّه وخبر «لا» محذوف أي لا ملجأ ثمة أو في الوجود. قوله: (إليه وحده استقرار العباد) على أن تقديم قوله: إِلى رَبِّكَ يفيد الاختصاص واللام في «المستقر» عوض عن المضاف إليه وأنه بمعنى الاستقرار. والمراد إما استقرار نفس العباد أي لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره تعالى ولا يتوجهون إلا إليه، وإما استقرار أمورهم على معنى لا ترجع أمور العباد إلا إلى حكمه لا يحكم فيها غيره. ويجوز أن يكون المستقر بمعنى مكان الاستقرار فيكون المعنى: موضع قرار العباد من الجنة والنار يومئذ مفوض إلى مشيئة ربك وحده من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار. و «المستقر» مرفوع على الابتداء و «إلى ربك» خبره و «يومئذ» ظرف معمول لما تعلق به إلى ربك ولا يجوز أن يكون معمولا للمستقر لأنه إن كان مصدرا بمعنى الاستقرار فلا يتقدم عليه معموله وإن كان اسم مكان فلا يعمل أصلا وكذا الكلام في نحو قوله: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ [القيامة: 30] . قوله: (أي بما قدم من عمل عمله أو بما أخر من سنة حسنة أو سيئة عمل بها بعده) فما قدمه هو ما عمله بنفسه من الأعمال خيرا كان أو شرا ولم تتعد نسبته إلى من بعده وما أخره سواء عمله هو بنفسه من ذلك أو أبقاه سنة حسنة أو سيئة لمن بعده. وعلى الأول ما قدمه وأخره ما عمله من عمل طاعة كان أو معصية وما لم يعمله من طاعة. وعلى الثالث ما قدم وأنفق من أمواله أيام حياته وما خلفه للورثة. وعلى الرابع ما عمله في حياته مقدما ومؤخرا أي أول عمله وآخره. ثم إنه تعالى لما قال يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بأعماله