حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 415
ولمن حمل ذلك على أمارات الموت أن يفسر الخسوف بذهاب ضوء البصر والجمع باستتباع الروح الحاسة في الذهاب، أو بوصوله إلى من كان يقتبس منه نور العقل من سكان القدس وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقال: خسف القمر وخسفه اللّه، والخسوف يكون بمعنى غيبة الشيء وذهابه بنفسه ومنه قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [القصص: 81] . قوله: (ولمن حمل ذلك على أمارات الموت) الإشارة بذلك إلى برق البصر فمن حمله على ما يلحق البصر عند البعث أو عند رؤية جهنم تيسر له ملاحظة ارتباط الكلام بما قبله. ووجه عطف قوله: وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بالواو الجامعة على قوله: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ كون كل واحد منهما مما يتحقق يوم البعث والجزاء. وأما من حمل برق البصر على ما هو من أمارات الموت فيعسر عليه ملاحظة ارتباط الكلام بما قبله وملاحظة، وجه العطف بالواو الجامعة لأن ذهاب ضوء القمر واجتماعه مع الشمس في ذلك لا يكون في زمان البروق الذي هو من أمارات الموت فلا يصح عطفهما عليه بالواو الجامعة. وتقرير الجواب نعم إن الأمر كذلك ولا بدع أن يفسر خسف القمر والجمع بينهما بما يكون من أمارات الموت أيضا بأن يجعل القمر استعارة لحاسة البصر تشبيها لها بالقمر في أن نورها مستفاد من الروح بواسطة تصرفه واستخدامه قواه الطبيعية السبع التي هي: الجاذبة والماسكة والهاضمة ونحوها فيما هيئت كل واحدة منها له، وبأن تجعل الشمس استعارة للروح تشبيها للروح بالشمس في أن كمالات عالم الأرض تحتاج إلى تأثير الشمس وحركاتها، ويفسر قوله: خَسَفَ الْقَمَرُ بأن يقال:
ذهب ضوء البصر عند الموت وقوله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بأن يقال: اجتمعا في حكم الذهاب وإن اختلف طريق الذهابين وأن ذهاب ضوء القمر بمعنى بطلانه واضمحلاله وطريق ذهاب الروح بطلان تعلقه بالبدن وانتقاله إلى عالم المجردات. قوله: (أو بوصوله) إشارة إلى تفسير آخر للجمع بأن تجعل الشمس مستعارة للأرواح العالية والعقول المجردة التي يستفاد منها أنوار العقول الإنسانية وإدراكاتها، وأن يجعل القمر مستعارا للروح الإنساني فحينئذ يكون جمعهما عبارة عن وصول الروح الإنساني إلى الأرواح العالية. قوله: (وتذكير الفعل) حيث لم يقل: وجمعت الشمس لتقدمه أي لكونه مسندا إلى ظاهر المؤنث الغير الحقيقي وهي الشمس، وفي مثله يجوز تذكير الفعل وتأنيثه مع أن فعل الجمع لم يسند إلى الشمس وحدها بل هو مسند إلى القمر أيضا بواسطة الواو العاطفة والقمر مذكر فغلب جانب التذكير على التأنيث. وهذا الوجه لا يصلح بانفراده دليلا على التذكير فإنك إذا قلت: قام هند وزيد لم يجز عند الجمهور إلا أنه يصلح مؤيدا للوجه الأول، فكأنه قيل: ذكر الفعل لإسناده إلى ظاهر المؤنث الغير الحقيقي مع أنه قد عطف عليه مذكر فغلب على المؤنث الغير الحقيقي.