حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 418
وفيه نظر. لا تُحَرِّكْ يا محمد بِهِ بالقرآن لِسانَكَ قبل أن يتم وحيه لِتَعْجَلَ بِهِ (16) لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك وَقُرْآنَهُ (17) وإثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي.
فَإِذا قَرَأْناهُ بلسان جبريل عليك فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) قراءته وكرر فيه حتى يرسخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجمع حينئذ يكون على وفق القياس كمفتاح ومفاتيح ومثقال ومثاقيل، بخلاف ما إذا كان جمع معذرة فإنه يجمع على معاذر كمحمدة ومحامد ولا يجمع على معاذير إلا على وجه الشذوذ كمنكر ومناكير. قوله: (وفيه نظر) أي في كون هذا الوجه أولى لعل وجه النظر أن كون البناء على وفق القياس إنما يكون وجها لأولوية كون معاذير جمع معذار أن لو كان معذار بمعنى العذر لفظا مستعملا مسموعا وليس كذلك، وكونه جمع معذرة وإن كان على خلاف القياس إلا أنه على وفق الأصل فإن الأصل أن يكون بناء الجمع بناء مغيرا عن مفرد ملفوظ مستعمل ولفظ «معذرة» كذلك، فالوجهان متعارضان متساويان لا أولوية لأحدهما على الآخر. وإلى كل واحد من الوجهين ذهب جماعة من النحويين فإن منهم من ذهب إلى أن مثل هذا الجمع لفظ مستعمل على خلاف القياس وقالوا: المذاكير جمع ذكر وهو العضو المعروف ومناكير جمع منكر. ومنهم من ذهب إلى أن مثله اسم جمع لغير الملفوظ به بل لمقدر فقال: إن نحو مذاكير جمع مذكار وإن لم يسمع. قوله: (قبل أن يتم وحيه) أخذه من قوله تعالى في سورة أخرى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114] روي أنه عليه الصلاة والسّلام كان يشتد عليه حفظ التنزيل وكان عليه السّلام إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل مخافة أن لا يحفظ، فأنزل اللّه تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ أي بالقرآن وجاز هذا الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه كما أضمر في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] . قوله تعالى: (لِتَعْجَلَ بِهِ) أي بأخذه دلت الآية على أنه عليه الصلاة والسّلام كان يقرأ مع قراءة جبريل عليه السّلام وكان يسأله في أثناء قراءته عن مشكلات معانيه لغاية حرصه على العلم، فنهى عن الأول بقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ إلى قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ وعن الثاني بقوله: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ فضمن له عليه الصلاة والسّلام بيان المشكل منه كما ضمن له الحفظ وإثبات قراءته في لسانه عليه الصلاة والسّلام بحيث يقرأه متى شاء على أن القرآن مصدر بمعنى القراءة مضاف إلى مفعوله وأن ثمة مضافا مقدرا. قوله: (بلسان جبريل) إشارة إلى أن قوله: قَرَأْناهُ من قبيل إسناد فعل المأمور إلى الآمر والمعنى: إذا قرأ جبريل عليك بأمرنا وفرغ من قراءته فاقرأه حينئذ وكرر كيلا يتفلت منك وكن تابعا له في القراءة ولا تقرأ معه.