فهرس الكتاب

الصفحة 5210 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 419

في ذهنك ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) بيان ما أشكل عليك من معانيه وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين فكيف بها في غيره،

أو قوله: (وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب) وجه الدلالة أنه تعالى ذكر البيان بكلمة «ثم» وهي للتراخي، وإنما قال عن وقت الخطاب لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى العمل لأنه تكليف بما لا يطاق. والاعتراض عليه بما روي من أن قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: 187] نزل ولم ينزل معه قوله: «من الفجر» فكان بعض الصحابة إذا أراد الصوم وضع عقالين أبيض وأسود وكان يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر. فقد تأخر البيان عن وقت حاجتهم إلى الصوم مدفوع بأن ما فعله الصحابة كان في صوم التطوع ووقت الحاجة إنما هو وقت الفرض من الصوم. كذا في التلويح. ويجوز تأخيره عن وقت الخطاب مطلقا أي سواء كان البيان تفصيليا أو إجماليا بأن يقترن باللفظ ما يشعر بأنه ليس المراد من اللفظ ما يقتضيه ظاهره بل أن يقترن بما يشعر أن المراد بهذه النكرة فرد متعين، وبهذا العام خاص، وبهذا المطلق مقيد، وبهذا اللفظ المعنى المجازي ونحو ذلك. قوله: (وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة) يعني أن قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ اعتراض وقع بين قوله تعالى:

يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ وبين قوله تعالى: بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ قال الإمام: زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غيّر وبدّل وزيد فيه ونقص، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وما قبلها. والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن الاستعجال المنهي عنه إنما اتفق للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عند إنزال هذه الآيات عليه فلا جرم نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت فقيل له: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئا فأخذ التلميذ يلتفت يمينا وشمالا فيقول المدرس في أثناء ذلك الدرس: لا تلتفت يمينا وشمالا ثم يعود إلى الدرس. فإذا نقل ذلك الدرس مع توسط هذا الكلام في أثنائه فمن لم يعرف السبب يقول: إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب. وثانيهما أنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون العاجلة حيث قال: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ثم بيّن أن التعجيل مذموم مطلقا حتى التعجيل في أمور الدين فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وقال في آخر الآية:

كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ فإن كل واحد من الكلامين يتضمن التوبيخ على حب العاجلة فوسط هذا الكلام بينهما وبيّن به أن العجلة مذمومة حتى في أمر الدين تأكيدا لما تضمناه من التوبيخ على حب العاجلة وتضمن الكلام الأخير إياه ظاهر، وأما تضمن الأول له فلما مر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت