حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 429
كقوله:
أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود. لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [الواقعة: 62] أي فهلا تذكرون فتعلمون أن من أنشأ الإنسان بعد أن لم يكن قادر على إعادته بعد موته. قوله: (كقوله) أي الشاعر: وأصل البيت:
سائل فوارس يربوع بشدتنا ... (أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم)
ويربوع أبوحي من تميم. وقوله: «بشدتنا» بفتح الشين وهي الحملة ويروى بكسرها وهي القوة، وسفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء من الجبل أي الحضيض والقاع المستوي من الأرض أي الصحراء. والأكم جمع أكمة وهي التل أي الجبل الصغير. يقول:
سائل هذه القبيلة عن حال شدتنا أكانت قوية جلبت لنا العز والغلبة أم كانت دونها فجلبت الذل والمغلوبية؟ قوله: (طائفة محدودة من الزمان) فسر الحين بالطائفة المحدودة من مطلق الزمان ولم يعين حدها تنبيها على أنها محدودة في نفسها ومبهمة الحد في علمنا، وفسر الدهر بمطلق الزمان وهو الزمن الممتد الوهمي كما هو المشهور. واختلفوا في الإنسان المذكور ههنا؛ فقال جماعة من المفسرين: المراد به آدم عليه السّلام، فمن ذهب إلى هذا قال: إن اللّه تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية ثم عقب بذكر خلق جنس الإنسان من ذريته فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ وقال آخرون: المراد بالإنسان بنو آدم بدليل قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [الإنسان: 2] إذ المناسب أن يكون المراد بالإنسان في الموضعين واحدا، وعلى هذا القول يكون المراد بالحين تسعة أشهر مدة الحمل لأنه ما دام في بطن أمه لم يكن شيئا مذكورا لأنه نطفة أو علقة أو مضغة ولا قدر لشيء منها حتى يذكر ويعتني بشأنه. وإذا كان المراد به نفس آدم عليه السّلام فقد اختلف في تعيين المراد بالحين حينئذ؛ فقيل: إنه أربعون سنة لما روي أنه أتى عليه أربعون سنة وهو جسد ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الروح بين مكة والطائف والطين، وإن كان شيئا موجودا لكن لم يكن شيئا مذكورا، ثم نفخ فيه الروح بعد أربعين سنة. وروي أيضا أنه خلق من طين فقام عليه أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم تم خلقه بعد مائة وعشرين سنة.
وروي أيضا أنه خلق من طين فقام عليه أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، ثم تم خلقه بتمام أربع أربعينات أعني مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح. فلأجل هذه الاختلافات فسر الحين بالطائفة المحدودة ولم يعين حدها.