حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 430
مَذْكُورًا (1) بل كان شيئا منسيّا غير مذكور بالإنسانية كالعنصر والنطفة والجملة حال من الإنسان، أو وصف لحين بحذف الراجع. والمراد بالإنسان الجنس لقوله:
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أو آدم عليه السّلام. بيّن أولا خلقه ثم ذكر خلق بنيه. أَمْشاجٍ أخلاط جمع مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته ووصف النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلفة الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو. وقيل: مفرد كأعشار وأكياش.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بل كان شيئا منسيّا) إشارة إلى أن المنفي ليس أصل كونه شيئا بل المنفي هو كونه شيئا شريفا مذكورا بالإنسانية، فإنه في ذلك الحين كان شيئا خاملا لا يعرف ولا يذكر ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به، وذلك من حين خلقه من تراب إلى أن نفخ فيه الروح، وكذا جنس الإنسان من ذرية آدم كان في الرحم شيئا تافها حقيرا كالنطفة. فإن قيل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنسانا، والآية تقتضي أن يمضي على الإنسان حال كونه إنسانا حين من الدهر مع أنه في ذلك الوقت ما كان شيئا مذكورا بالإنسانية. فالجواب أن الطين أو الصلصال إذا كان مصورا بصورة الإنسان وكان محكوما عليه بأنه سينفخ فيه الروح ويصير إنسانا صح تسميته إنسانا باعتبار ما يؤول إليه، وإن كان غير مذكور بالإنسانية. ومن قال: إن الإنسان هو النفس الناطقة وأنها موجودة قبل وجود الأبدان، فلا يتوجه عليه الإشكال. قوله: (والجملة حال من الإنسان) تقديره: أتى عليه حين من الدهر حالة كونه لم يكن شيئا مذكورا، أو وصف لحين يحذف الراجع مع الجار وهو فيه، تقديره: حين لم يكن الإنسان فيه شيئا مذكورا. قوله: (أخلاط) جمع خلط وهو المادة التي يركب منها الشيء. يقال: أخلاط الطيب أي أجزاؤه ومواده والأمشاج واحدها إما مشج بفتحتين كمثل وأمثال، أو مشج بكسر الميم وسكون الشين كعدل وأعدال، أو مشيج كشريف وأشراف يقال: مشجت الشيئين مشجا إذا خلطتهما. قوله: (ووصف النطفة به) أي جعله وصفا لها مع كونها مفردا والأمشاج جمعا ولا مطابقة بينهما. وتقرير الجواب أن لفظ النطفة وإن كان مفردا إلا أن المراد به هو المجموع المؤلف من مني الرجل والمرأة وكل واحد منهما مني مغاير للآخر بالذات. وأيضا لما كانت أجزاء كل واحد منهما مختلفة كأنها نطف منفردة عن بعضها صار المجموع المؤلف منهما كأنه نطف شتى فجمع وصفه لذلك. قوله:
(وقيل مفرد) عطف على قوله جمع مشج أي وقيل: إن قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ مثل قولهم: برمة أعشار وبردة أكياش في أن صيغة أفعال فيها لفظ مفرد، ولذلك وقعت صفة لمفرد ليدل على تحقق معنى الكثرة فيه لا جمع مكسر مثل أشراف وأيتام. يقال: برمة أعشار إذا انكسرت قطعا، وبرد أكياش وهو ما يغزل غزله مرتين وهو برد من برود اليمن.