فهرس الكتاب

الصفحة 5222 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 431

وقيل: ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإن اختلط أخضرا، أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. نَبْتَلِيهِ في موقع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره، أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعار له الابتلاء. فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات فهو كالمسبب من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل ألوان) عطف على قوله: «أخلاط» . قال مجاهد: الأمشاج ألوان النطفة نطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء. وقيل: الأمشاج هي الأطوار المختلفة التي ينتقل الجسم من بعضها إلى بعض. وقيل: إن اللّه تعالى جعل في النطفة أخلاطا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والتقدير: من نطفة ذات أمشاج فحذف المضاف. قوله: (بمعنى مريدين اختباره) أي بالأمر والنهي والمحنة بالرخاء والشدة يعني أنه حال مقدرة لا مقارنة إذ لا اختبار وقت خلقه، أو مقارنة إن كان الابتلاء مستعارا للنقل بأن شبه النقل من حال إلى حال بفعل من يفعل أفعالا مختلفة للامتحان من حيث إنه يظهر بعد النقل أمر آخر كما يظهر بعد الأفعال الكائنة للامتحان العلم المتفرع عليها فهو كالمسبب من الابتلاء، فإنه لما خلق الإنسان للابتلاء والتكليف أعطاه ما يصح معه التكليف والابتلاء وهو السمع والبصر وسائر ما يتوقف عليه الفهم والتمييز، فلذلك دخلت الفاء على إعطائه الذي هو سبب له. والمراد بالفعل المقيد بالابتلاء هو قوله: «خلقنا» وقوله: «نبتليه» قيد له لما تقرر من أن الحال قيد لعاملها والمراد بترتيب الهداية على إعطاء الحواس ما ذكره بعد ذكر جعله سميعا بصيرا لكون الهداية وبيان سبيل الهدى وتعريفه بنصب الأدلة وبعث الرسل متأخرة عن خلق الحواس وأسباب الفهم والتعقل، فإن المراد بالسبيل سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك، ومعنى هدايته تعريفه وتبيين كيفية كل واحد منها وذلك إنما يكون بعد إعطاء العقل، وإعطاء الحواس متقدم على إعطاء العقل لأن الإنسان في مبدأ الفطرة خال عن جميع العلوم والمعارف إلا أن الحواس الظاهرة والباطنة آلات تعينه على تحصيل العلوم الأولية من المبادئ التصورية والتصديقية. فإنه إذا أحس بها المحسوسات وتنبه لما بينها من المشاركات والمباينات حصل له المبادئ التصورية بالضرورة، ثم إذا تحرك فيها على طريق الحركة في الكيف إلى أن يجد المبادئ المناسبة لمطالبه ويرتبها على الوجه المخصوص يحصل له المطالب التصورية المكتسبة وإذا تصور بها نسبا حكمية وحكم عليها بالإيقاع والانتزاع يحصل له مبادئ تصديقية بالضرورة، ثم إذا تحرك فيها إلى أن يجد المبادئ المناسبة لمطالبه التصديقية تحصل بالاكتساب الفكري مثل الحكم بأن هذا الاعتقاد وهذا العمل سبيل السعادة والنجاة وذلك سبيل الشقاوة والهلاك، فثبت أن مرتبة التحلي بالحواس الظاهرة والباطنة متقدمة على مرتبة تعقل حقائق الأشياء والتصديق بأحوالها وتعيين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت