حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 457
أهلكه.
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) أي ثم نحن نتبعهم نظراءهم ككفار مكة. وقرئ بالجزم عطفا على نهلك فيكون الآخرين المتأخرين من المهلكين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم السّلام.
كَذلِكَ مثل ذلك الفعل نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) بكل من أجرم
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) بآيات اللّه وأنبيائه فليس تكريرا، وكذا إن علق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد لأن الويل الأول لعذاب الآخرة وهذا للإهلاك في الدنيا مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب.
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) نطفة مذرة ذليلة.
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (21) في الرحم
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) إلى مقدار معلوم من الوقت قدره اللّه تعالى للولادة.
فَقَدَرْنا على ذلك أو فقدرناه ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد. فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (23) نحن
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة.
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (25) كافتة اسم لما يكفت أي يضم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سبب إهلاك الأولين حاصلا فيهم لزمهم أن يخافوا منه. قوله: (ثم نحن نتبعهم) اختار قراءة الجمهور وهي القراءة برفع قوله: «نتبعهم» على القطع عما قبله واستئناف الإخبار بما يفعله في المستقبل بإضمار المبتدأ أي نحن نتبعهم، ويعضده قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه «ثم نتبعهم» بزيادة سين التسويف. وقراءة الرفع متعينة على أن يكون المراد بالآخرين الذين كذبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لو قرئ بالجزم لكان المعنى حينئذ: أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الإهلاك لكون الإتباع واقعا في حيز «لم» التي تقلب معنى المضارع إلى الماضي وتنفيه فيه. والآخرون ليسوا من المهلكين وقت نزول السورة بمكة بل يجب أن يكون المراد بالآخرين على قراءة الجزم الذين تأخر هلاكهم عن إهلاك المتقدمين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسّلام. ثم إنه تعالى خوفهم بنوع ثالث فقال: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ الآية وهو استفهام تقرير فمن أقرّ بقدرته تعالى على الإبداء لزمه أن يقر بقدرته على الإعادة. ثم إنه لما أنكر الإعادة ناقض نفسه مكابرة وعنادا فاستحق أن يقال له: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. قوله: (فقدرنا على ذلك أو فقدرناه) يعني أن «قدرنا» بتخفيف الدال يجوز أن يكون من القدرة ويعضده قوله: فَنِعْمَ الْقادِرُونَ أي قدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا من مثل تلك المادة الحقيرة فَنِعْمَ الْقادِرُونَ حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات. ويجوز أن يكون من التقدير، فإن قدر المخفف لغة في قدر المشدد فإن قوله تعالى: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ [الواقعة: 60] قرئ بالتخفيف والتشديد مع أنه بمعنى التقدير.
ويدل على كون ما في الآية من التقدير قراءة نافع والكسائي بالتشديد فيكون قوله: فَنِعْمَ الْقادِرُونَ أيضا بمعنى فنعم المقدرون، والمراد تقدير خلقه وجوارحه وألوانه وأشكاله ومدة