حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 458
ويجمع كالضمام والجماع لما يضم ويجمع، أو مصدر نعت به، أو جمع كافت كصائم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حمله وحياته. والقرار المكين الموضع المستقر الحصين وهو الرحم فإن الماء الذي يخلق منه الولد لا بد وأن يثبت في الرحم ويتمكن فيه إلى قدر معلوم أي مقدار من الوقت معلوم للّه تعالى لا يعلمه غيره، وذلك المقدار تسعة أشهر أو أقل أو أكثر وما لا يخلق منه الولد لا يستقر في الرحم. ثم إنه تعالى لما شرع في النوع الرابع من تخويفهم بأن ذكر ما أنعم به عليهم من نعم الآفاق فقال: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا الآية وقد ذكر قبل هذه الآية ما أنعم به عليهم من نعم الأنفس وهو أن أوجدهم من المادة الخسيسة بعد ما أثبتها في الزاوية الخسيسة إلى وقت الولادة وصوّرهم بأحسن الصور وأحكم الخلقة وقدم ما ذكر فيه نعم الأنفس على ما ذكر فيه نعم الآفاق لكون ما في الأنفس أصلا بالنسبة إلى ما في الآفاق، فإنه لولا الوجود وما يتفرع عليه من القوى والآلات لما تيسر الانتفاع بشيء من النعم التي في الآفاق حملهم على أن يقروا بأنه الذي خصهم بهذه النعم التي كل واحدة منها أعجب من البعث وأدل على كمال قدرته وبديع حكمته ليستدلوا به على الإعادة ويستعدوا لذلك اليوم فهذا هو وجه التخويف بهذه الآية. وقوله: «كفاتا» مفعول ثان لقوله: «نجعل» لأن المعنى:
ألم نصيرها كافتة تضم الأحياء إلى ظهرها والأموات إلى بطنها؟ ولهذا كانوا يسمون الأرض أمّا للناس تشبيها لها بالأم في ضمها الناس إلى نفسها أحياء وأمواتا كالأم التي تضم أولادها إليها وتضبطهم ولما كانوا ينضمون إليها جعلت كأنها تضمهم إلى نفسها. وكما أن الأرض كفات لهم بمعنى أنهم ينضمون إليها ويسكنون فيها فهم ينضمون إليها أيضا من حيث إنها تجمع لهم جميع ما يحتاجون إليه في معاشهم من المأكل والمشرب والملبس والمركب والآنية الجامعة للمصالح الدافعة للمضار وغير ذلك، وأيضا أنها تكفت ما ينفصل من الأحياء من الأمور المستقذرة. ومعنى الكفت في اللغة الضم والجمع يقال: كفت الشيء يكفته كفتا إذا ضمه وجمعه. وفي الحديث: «اكفتوا صبيانكم بالليل فإن للشيطان خطفة» . ويقال:
جراب كفيت وكفت إذا كان لا يضيع شيئا مما يجعل فيه. وذكر المصنف في «كفاتا» أربعة أوجه: الأول أنه اسم لما يكفت كالضمام والجماع اسمان لما يضم ويجمع يقال: هذا الكتاب جماع الأبواب وضمام أصول الكتاب كما يقال للخيط الذي يشد به الشيء شداد، والثاني أنه مصدر كالكتاب والحساب وصفت الأرض به للمبالغة نحو رجل عدل، والثالث أنه جمع كافت كصيام جمع صائم، والرابع أنه جمع اسم غير مشتق وهو كفت بمعنى الوعاء فيكون الكفات بمعنى الأوعية. ويكون على الوجه الثالث بمعنى الأشياء الكافتة. ولما ورد على الوجهين الأخيرين أن الأرض شيء واحد فكيف يطلق عليها لفظ الجمع؟ أجاب عنه بقوله: «أجرى» أي لفظ الجمع عليها باعتبار أقطارها.