حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 468
تفخيم شأن ما يتساءلون عنه كأنه لفخامته خفي جنسه فسئل عنه. والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم أو يسألون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عنه استهزاء كقولهم:
يتداعونهم ويتراؤونهم أي يدعونهم ويرونهم أو للناس.
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل خياشيمه. قوله: (كأنه لفخامته خفي جنسه فسئل عنه) يعني أن كلمة «ما» سواء كانت لشرح المفهوم أو كشف الشيء المعلوم الموجود أداة للطلب والسؤال يطلب بها شرح المفهوم أو كشف الحقيقة العينية، والمطلوب لا بد أن يكون مجهولا عند الطالب لئلا يلزم تحصيل الحاصل. هذا أصل تلك الكلمة. ثم إنها قد تطلق على الشيء العظيم الشأن المفخم القدر وإن لم يكن مجهولا عند المتكلم على طريق الاستعارة تشبيها له بالمجهول المسؤول عنه من حيث إنه لفخامته وعظم شأنه صار كأنه عجز العقل عن أن يحيط بكنهه فيسأل عنه، كالأشياء التي جهلت مفهوماتها أو حقائقها فطلبت ب «ما» ولأجل هذه المشابهة استعمل فيه كلمة «ما» أيضا مجازا حيث جردت عن معنى الاستفهام ولم تستعمل فيه، ومنه قوله تعالى:
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: 1، 2] الْقارِعَةُ [القارعة: 1] مَا الْقارِعَةُ [القارعة: 2] لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: 7] مَا الْعَقَبَةُ [البلد: 12] ونحوها فإن كلمة «ما» فيها لمجرد التفخيم.
قوله: (أو يسألون) بمعنى يجوز أن تكون صيغة التفاعل في الآية على أصلها من الدلالة على أن أصل الفعل بين اثنين فصاعدا بأن يكون كل منهما فاعلا له من وجه، ومفعولا من وجه كالتخاصم والتقاتل، وأن يكون بمعنى الفعل الثلاثي بأن يكون المرفوع بها فاعلا ليس إلا مثل: يتداعونهم بمعنى يدعونهم. قال الإمام: التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقاتل، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال.
قال تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات: 51 - 52] فهذا على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون.
وهذا قول الفراء. انتهى كلامه. ولم يتعرض لكونه بمعنى «يتساءلون» . قوله: (أو للناس) عطف على قوله لأهل مكة. والظاهر أن المراد بالناس أهل ذلك العصر من الكفار والمؤمنين، أما المؤمنون فيتساءلون ويسألون عنه ليزدادوا يقينا في إيمانهم بالبعث، وأما الكفار فعلى سبيل السخرية وإيراد الشكوك والشبهات، إلا أن قول المصنف فيما بعد: كلا سيعلمون ردع للتساؤل أو وعيد عليه يستدعي أن يحمل الناس على ما يعم أهل مكة وغيرهم من الكفار فقط. فإن قلت: فما تصنع حينئذ بقوله: فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر؛ فإن منهم من يقطع بعدم بعثه ويقول: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [المؤمنون: 37] ومنهم من يشك فيه ويقول: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ