فهرس الكتاب

الصفحة 5297 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 506

أكابرهم إلى أمر مال إليه الأصاغر. قوله: (على اختلاف المذهبين) أي في تنازع الفعلين فإن الفعلين المذكورين تنازعا واستدعى كل واحد منهما أن ينصب قوله: أَنْ جاءَهُ على أنه مفعول له، فأعمل البصريون الفعل الثاني لقربه منه أي «تولى» ل «أن جاءه الأعمى» ، والكوفيون أعملوا الفعل الأول أي «عبس» ل «أن جاءه» . وأم مكتوم كنية أم أبيه وكان ابن أم مكتوم معروفا بجدته لأبيه. روي أنه لما نزلت الآية خرج عليه الصلاة والسّلام في طلبه وهو يقول: «من رأى الأعمى» ؟ فلما لقيه عانقه وقال: «لن تزال في عيالي ما بقيت عيال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم» . وروي أنه عليه الصلاة والسّلام ما عبس في وجه فقير بعد نزول هذه الآيات.

قوله: (وقرئ أإن بهمزتين وبألف بينهم) أي بهمزتين فقط، وبهمزتين بينهما ألف للفصل بين همزة الاستفهام وهمزة «إن» ومعنى الاستفهام الإنكار. وعلى هاتين القراءتين يوقف على «تولى» ثم يبتدأ بقوله: «أإن جاءه» على معنى: ألأن جاءه الأعمى فعل ذلك فقوله: «أأن» على هاتين القراءتين ليس متعلقا بما قبله. قوله: (وذكر الأعمى للإشعار الخ) جواب عما يقال: إنه تعالى لما عاتب سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم على مجرد أنه عبس في وجه ابن أم مكتوم كان ذلك تعظيما عظيما منه تعالى لابن أم مكتوم، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه؟ أجاب عنه أولا بأن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه بل للإشعار بعذره في الإقدام على ما فعله والدلالة على أنه أحق بالكرامة. وثانيا بأنه كان لزيادة الإنكار على ما فعله من العبوس والتولي فإن أهل الإعذار وسع اللّه في حقهم ما لم يوسع في حق غيرهم كأنه يقول: إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة فكيف يليق بك أن تخصه بالغلظة والتولي؟ وإنما قال: «لزيادة الإنكار» لأن أصل الإنكار مستفاد من قوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى بإسناد الفعلين إلى ضميره عليه الصلاة والسّلام بصيغة الغيبة فإن مقتضى الظاهر أن يقال: عبست وتوليت عمن جاءك بصيغة الخطاب فالسلوك إلى طريق الغيبة يشعر أن العابس والمتوالي غير المخاطب وأنه يشكي إلى المخاطب من فعله، وذلك يدل على أن ذلك الفعل منكر لا يتصور وقوعه ممن جبل على خلق عظيم وبعث رحمة للعالمين وإنما المتصور أن يقع ذلك من غيره، وأن يشكو المتكلم إلى المخاطب منه وهو إنكار عظيم لوقوعه فيكون ذكر ذلك المستهزأ به بوصف الأعمى مفيدا لزيادة الإنكار عليه. كأنه قيل: قد استحق ذلك المسكين عندك العبوس والإعراض عنه وكان من حقه أن تزيد لعماه التعطف والاهتمام بأمره، كما أن وجه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ هو زيادة الإنكار على فعله. فإنه تعالى صور فعله مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة من يشكو إلى أحد جانيا جنى عليه ويقبل على الجاني حين التهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت