حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 507
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أي وأي شيء يجعلك داريا بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك. وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره.
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (4) أو يتعظ فتنفعه موعظتك. وقيل: الضمير في «لَعَلَّهُ» للكافر أي أنك طمعت في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غضبه وحمى رأسه مواجها إياه بالتوبيخ وإلزام الحجة، فكان الالتفات الواقع في الآية لمزيد الإنكار. فإن قيل: إن ابن مكتوم كان قد استحق التأديب والزجر لأنه وإن كان لا يرى القوم لعماه لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع أولئك الكفار ويعرف بذلك شدة اهتمامه صلّى اللّه عليه وسلّم بشأنهم، فيكون إقدامه على قطع كلامه عليه الصلاة والسّلام إيذاء له ولا شك أن إيذاءه عليه الصلاة والسّلام معصية عظيمة، وأيضا الأهم مقدم على المهم وقد كان ابن أم مكتوم أسلم وتعلم ما يحتاج إليه من أمر الدين بخلاف الصناديد المذكورة فإنهم لم يسلموا بعد وقد كان إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم، فكان الاستمرار على دعوتهم وتقرير الدلائل لهم وإلزام الحجة عليهم أهم وأليق بحاله عليه الصلاة والسّلام وكان قطع الكلام معهم والإقبال على ابن أم مكتوم تقديما للنفع القليل على خير العظيم. ولا وجه له، فثبت بهذين الوجهين أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر، فكيف عاتب اللّه تعالى رسوله على أن أدبه بترك الإقبال عليه والتولي عنه والحال أنه عليه الصلاة والسّلام إنما بعث ليؤدب المؤمنين ويعلمهم محاسن الآداب؟ وأجيب عنه بوجهين: أحدهما أن الأمر كما ذكر إلا أنه عليه الصلاة والسّلام عوتب بناء على أن ما فعله يوهم ظاهره تقديم الأغنياء على الفقراء وقلة المبالاة بانكسار قلوب الفقراء وهو لا يليق بمنصب النبوة. وثانيهما أن ابن أم مكتوم وإن كان قد استحق التأديب والتولي إلا أنه تعالى لم يعاتبه عليه الصلاة والسّلام على ذلك بل على ما كان في قلبه من الميل إليهم بسبب قرابتهم وعلو منصبهم وشرفهم وإن لم ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه، فلما كان العبوس والتولي لهذه الداعية لا لأجل تأديبه على ما ارتكبه من الذنب عوتب على ذلك.
قوله: (وأي شيء يجعلك داريا بحاله) أي بحال هذا الأعمى قدر لفعل الدارية مفعولا تنبيها على أن قوله: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ليس مفعوله بل تم الكلام عند قوله: وَما يُدْرِيكَ فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده على معنى وما يطلعك على أمره وعاقبة حاله على أن الاستفهام بمعنى النفي أي لا يدريك شيء، ثم ابتدأ فقال: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى على أن ضمير «لعله» للأعمى. و «لعل» في كلامه تعالى مستعمل في معنى القطع والتحقق مجازا فإن «لعل» ونحوه في كلام العظماء يراد بها ذلك. وتلقف الشيء تناوله بسرعة والمراد به ههنا الاستفادة والتعليم. قوله: (وقيل الضمير في لعله للكافر) فعلى هذا كلمة «لعل» على أصل معناها الذي هو الترجي الكائن من قبله صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك قال: «إنك طمعت في إسلامه» الخ.