حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 517
وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم. وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه.
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) يكفيه في الاهتمام به. وقرئ «يعنيه» أي يهمه وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) مضيئة من أسفر الصبح إذا أضاء ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) بما ترى من النعيم.
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) غبار وكدورة تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41) يغشاها سواد وظلمة.
أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) الذين جمعوا إلى الكفر الفجور فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة. قال عليه الصلاة السّلام: «من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحوال القيامة للمناسبة بين شرحها وبين تعداد النعم المذكورة في كونها داعية إلى الإيمان والطاعة. فإن الإنسان إذا سمع أحوال القيامة خاف فيدعوه الخوف منها إلى التأمل في دلائل الحق فقال: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ وجواب «إذا» محذوف يدل عليه قوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ إلى قوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 37] والتقدير: فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه. وقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ بدل من «إذا» ولا يجوز أن يكون يغنيه عاملا في «إذا» ولا في «يوم» لأنه صفة لشأن ومعمول الصفة لا يتقدم على الموصوف. قوله: (أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم) بأن يقول الأخ: لم تواسني بما لك؟ ويقول الأبوان: قصرت في برنا، والصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون: لم تؤدبنا ولم تعلمنا. وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل من قابيل لأنه العاصي، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح عليه الصلاة والسّلام. قوله: (وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة) أي في بيان اشتغال كل أحد بنفسه فإنه بدأ بالأخ لأنه شقيقه، ثم بالأبوين لأنهما أقرب إليه من الأخ، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم ألصق بالصلب وأعلق بالنفس. كأنه قيل: يفر من أخيه وكيف لا يفر منه؟ وهو يفر من أبويه وكيف لا يفر منهما؟ وهو يفر ممن هو أحب إليه منهما وهو الصاحبة والبنون. قوله: (وقرئ يعنيه) بفتح الياء وبالعين المهملة من قولهم: عناني الأمر أي أهمني وقصدني. ثم إنه تعالى لما ذكر أحوال يوم القيامة وأهوالها بيّن أن المكلفين فيه على قسمين وميز أحدهما عن الآخر بما يعرض لوجوههما يومئذ. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، والغبرة الغبار والقترة سواد كالدخان، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما إذا اغبرّ وجه الزنجي، فكأنه تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة كما جمعوا بين الكفر والفجور. وفي الحديث: «إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة يذري ذلك التراب في وجوه الكفار» . تمت سورة عبس بحمد اللّه وعونه.