حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 516
سميت بصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى.
وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدائِقَ غُلْبًا (30) عظاما. وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعارا من وصف الرقاب.
وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) ومرعى من أب إذا أم لأنه يؤم وينتجع، أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيئ للرعي، أو فاكهة يابسة تؤب للشتاء.
مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (32) فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) أي النفخة وصفت بها مجازا لأن الناس يصخون لها.
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه باختياره كضرب أولا كمرض ومات، فإسناد نحو الضرب إلى من قام به حقيقة وإلى موجده الذي هو البارئ تعالى مجاز. ولا شك أن شق الأرض قائم بمن حرثها وقلبها.
قوله: (لأنها تقضب مرة بعد أخرى) فصارت لكثرة قضبها كأنها عين القضب فسميت قضبا للمبالغة فيه.
قوله: (عظاما) الغلب جمع أغلب أو غلباء كحمر في جمع أحمر أو حمراء، وأصله في وصف الرقاب يقال: رجل أغلب وأسد أغلب أي غليظ العنق، وامرأة غلباء أي غليظة العنق، وجماعة غلب أي غلاظ الأعناق. ذكر لمصنف في وجه توصيف الحدائق بالغلب قولين: الأول أن الحديقة الواحدة سميت غلباء توصيفا لها بوصف مجموع أشجارها الملتفة المتكثرة بحيث صارت كأنها شيء واحد ضخم عظيم يشبه الرقبة الغلباء، فالحديقة الواحدة لما وصفت بالغلباء بهذا الوجه وصفت الحدائق بالغلب. والقول الثاني أنه وصفت الحدائق بالغلب لكونها ذوات الأشجار الغلاظ الرقاب فوصفت بوصف أشجارها. قوله: (ومرعى) المرعى الذي لم يزرعه الناس سمي إبا إما لأنه يؤب أي يؤم ويقصد جزه لأجل الدواب، والأب والأم أخوان، والنجعة بالضم طلب الكلأ في موضعه. وإما لأنه يؤب ويهيأ للرعي على أنه من أب لكذا إذا تهيأ له. قوله تعالى: (مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) أي تمتيعا منصوب على أنه مفعول له لقوله: فَأَنْبَتْنا أي أنبتنا ذلك كله ممتعين لكم. قوله: (وصفت بها مجازا) فإن الصاخة اسم فاعل من قولهم: صخ لحديثه أي أصغى واستمع فهو صاخ أي مصغي ومستمع، والنفخة ليس من شأنها أن تصغي وتسمع بل الناس هم الذين يصخون لها فأسند الإصغاء والاستماع إلى النفخة المسموعة مثل عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: 21] أي مرضية. وقيل: سميت صيحة القيامة صاخة لأنها تصخ الآذان أي تصمها لشدة صوتها، يقال: صخ الصوت الأذن يصخها صخا فهو صاخ إذا أصمها. فعلى هذا يكون الإسناد حقيقيا. ووجه ارتباط الآية بما قبلها أنه تعالى لما بيّن ما أنعم به على الإنسان من النعم الذاتية والخارجية توبيخا وتقريعا لمن كفر بها وحثا على شكرها بالإيمان والطاعة، شرح بعده