حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 515
طَعامِهِ (24) إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام. وقرأ الكوفيون بالفتح على البدل منه بدل الاشتمال.
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) بالنبات أو بالكراب، وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب.
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) كالحنطة والشعير.
وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) يعني الرطبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكلمة «ما» في قوله؛ ما أَمَرَهُ موصولة وعائدها يجوز أن يكون محذوفا والتقدير: ما أمره به، فحذف الجار أولا فبقي ما أمره هو، ثم حذف العائد ثانيا ويجوز أن يكون باقيا ويكون المحذوف من الهاءين هو العائد إلى الإنسان والباقي هو العائد إلى الموصول، فاعرفه وقس عليه أمثاله. ثم إنه تعالى لما ذكر خلق ابن آدم من شيء حقير قليل وهو أول ما أنعم به عليه في مبدأ حدوثه، ثم ذكر بعض ما يترتب عليه من النعم الموجبة للشكر ليتضح أن تكذيبهم وكفرانهم في غاية القباحة والشناعة، ذكر بعده ما أنعم به عليه من النعم الخارجية وأمره بالنظر إليه والتأمل فيه فقال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ولا شك أنه موضع للاعتبار. قوله: (إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية) فإن ما ذكر إلى هنا من النعم الموجبة للشكر نعم ذاتية متحققة في نفس الإنسان وهي خلقه بإنزال النطفة من صلب الآباء إلى أرحام الأمهات وتصويره بأحسن الصور والهيئات، وما يتعاقب عليه من الأطوار والحالات إلى أن ينتهي إلى دار الأبد، وما ذكره ههنا نعم خارجة عنه يحتاج إليها الإنسان في معاشه. وبيّن أنه كيف دبر في خلق طعامه الذي هو قوام حياته وأقوى أسباب معاشه التي يستعد بها لمواده وذكر أن ذاته كما تكون بنزول ماء الرجل إلى رحم المرأة، كذلك طعامه إنما يحصل بنزول الماء من السماء إلى الأرض وبما يتبعه من التدبيرات المتعلقة بتولده من الأرض وبلوغه إلى أقصى كماله. قرأ ما عدا الكوفيين «إنا صببنا» بكسرة الهمزة على الاستئناف. وقرأ الكوفيون بفتحها على أن الجملة بدل من الطعام، كأنه قيل: فلينظر الإنسان إلى أنّا صببنا الماء فإن تكون الطعام وحدوثه من الأرض بالأسباب المذكورة وكيفية حدوث المطر وبقائه معلقا في جو السماء مع كثرته وغاية ثقله وغير ذلك مما يعجز العقل عن إدراكه، والمعنى: فلينظر كيف حوّلنا أحوال طعامه كما حوّلنا أحوال نفسه في بدء خلقه، وجعله من بدل الاشتمال لأن انصباب الماء وانشقاق الأرض سبب لحدوث الطعام فيكون بينهما اشتمال السببية، فإن الواجب في بدل الاشتمال أن يكون بينهما علاقة بغير الكلية والجزئية وقد حصلت. والكراب قلب الأرض للحرث. قوله: (وأسند الشق إلى نفسه) أي جعل إسناد الشق بمعنى الكراب إليه تعالى مجازا مع أنه تعالى هو الموجد لجميع الأشياء من الجواهر والأعراض لكونه إسنادا إلى غير ما هو له، لأن المراد بما هو له ما يكون معنى الفعل قائما به وصفا له وحقه أن يسند إليه سواء كان مخلوقا له أو لغيره، وسواء كان صادرا