حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 528
مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) بتحري الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون بالتذكير وَما تَشاؤُنَ الاستقامة يا من يشاءها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إلا وقت أن يشاء اللّه مشيئتكم فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم. رَبُّ الْعالَمِينَ (29) مالك الخلق كله. قال عليه الصلاة والسّلام: من قرأ سورة التكوير أعاذه اللّه من أن يفضحه حين تنشر صحيفته».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منصوب «بتذهبون» والاستفهام فيه للإنكار. شبّهت حالهم في تركهم ما هو الصواب والحق في باب الاعتقاد والعمل وعدولهم إلى ما هو الباطل في ذلك بحال من يترك الجادة وهي معظم الطريق ويتعسف إلى ما ليس بسبيل قط، فإنه يقال له: إلى أين تذهب؟ استضلالا له وإنكارا على تعسفه. فقيل ذلك القول لمن ترك الدين الحق وعدل عنه إلى الباطل على سبيل الاستعارة والمعنى: أي طريق تسلكون أبين من هذا الطريق الذي ظهرت حقيته ووضحت استقامته. و «إِنْ» في قوله: إِنْ هُوَ نافية بمعنى ما هو؟ والتذكير بمعنى التذكر والعظة والعالمين يعم جميع ما سوى اللّه تعالى ممن يعلم وممن لا يعلم، وخص ههنا بمن يعلم من الإنس والجن حيث قيل: لمن يعلم والمخصص هو العقل. وقوله تعالى: لِمَنْ شاءَ بدل من قوله: لِلْعالَمِينَ بإعادة الجار بدل البعض من الكل وأَنْ يَسْتَقِيمَ مفعول «شاء» كأنه قيل: ما هو إلا بيان وهداية للخلق أجمعين، ما هو إلا هداية لمن شاء الاستقامة منكم بتحري الحق واتباع البرهان والدليل وإبداله من العالمين مع أن ذكر شامل لجميع المكلفين لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم، فكان بذلك كأنه مختص بهم ولم يوعظ به غيرهم. ثم بيّن أن مشيئة الاستقامة موقوفة على أن يعطي اللّه تلك المشيئة لأن تلك المشيئة صفة محدثة فلا بد في حدوثها من مشيئة أخرى، فظهر من مجموع هذه الآيات أن فعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة، وهذه الإرادة موقوفة الحصول على أن يريد اللّه تعالى إعطاء تلك الإرادة. والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء فأفعال العباد ثبوتا وانتفاء موقوفة على مشيئة اللّه تعالى. وهذا قول أصحابنا. قوله: (يا من يشاءها) إشارة إلى أن الخطاب في قوله: وَما تَشاؤُنَ ليس للمخاطبين بقوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ بل لبعض منهم وهم الذين عبّر عنهم بقوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ فإن قوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ يدل على أن منهم من يشاء الاستقامة ومنهم من لا يشاءها، فالخطاب لمن يشاءها منهم. وجعل المصنف قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ من إقامة المصدر مقام الزمان كما في نحو: آتيك خفوق النجم. روي أنه لما نزل قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ قال أبو جهم:
وكلّ الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم. فأنزل اللّه تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ تمت سورة التكوير. واللّه أعلم بالصواب.