حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 530
كبسمل ونظيره بحثر لفظا. ومعنى. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ من عمل أو صدقة وَأَخَّرَتْ (5) من سنة أو تركه ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع وهو جواب «إِذَا» .
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه. وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الصحاح: بعثر الرجل متاعه وبحثره إذا فرقه وبدده وقلب بعضه على بعض، ويقال:
بعثرت الشيء وبحثرته إذا استخرجته وكشفته. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ أبرز وأخرج ما فيها. انتهى. وقيل: إن بعثر مركب من بعث وراء مأخوذة من الإثارة كبسمل، فإنه مركب من بسم ولام مأخوذة من لفظة اللّه، وكذا بحثر فإنه بمعنى بعثر وهو مركب من البحث والراء المضمومة إليه والمعنى: بحث وأخرج موتاها، ومنه سميت سورة براءة المبحثرة لأنها تبحث عن أحوال المنافقين. قوله: (من عمل أو صدقة) أي يجوز أن يكون المراد بما قدمته ما عمله بنفسه من الأعمال الصالحة والسيئة مقدما على موته، وبما أخرته ما عمله بعد موته بأن سنه لمن بعده سنة حسنة كانت أو سيئة، فإن الأعمال الصادرة بمباشرة من بعده يصدق عليها أنها أعمال الميت أخرها عن موته إذ كان له مدخل في مباشرة من بعده بأن سنه له. وإسناد الفعل إلى سببه شائع كثير مثل: بنى الأمير. ويجوز أيضا أن يراد بما قدمته الأموال التي تصدق بها قبل موته لتكون ذخيرة له في النشأة الأخرى وبما أخرته الأموال التي خلفها لمن بعده من ورثته.
قوله: (ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع) فيكون المعنى: علمت نفس ما عملته من الطاعات وما أضاعت العمل به ولم تعمل. وقد مر أن تنكير «نفس» في الآيات لا ينافي إرادة العموم والعلم بجميع ذلك كناية عن المجازاة عليه. والمقصود من الكلام تقرير أمر البعث والجزاء والزجر عن المعصية والترغيب في الطاعة. فإن قيل: في أي موقف من مواقف القيامة يحصل له هذا العلم؟ قلنا: أما العلم الإجمالي فيحصل له في أول زمان الحشر لأن المطيع يرى آثار السعادة والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة. قوله: (أي شيء خدعك) إشارة إلى أن «ما» في قوله:
ما غَرَّكَ استفهامية مرفوعة المحل على الابتداء و «غَرَّكَ» خبره، وأن غرك بمعنى خدعك وجرأك على عصيانه يقال: غره فلان يغره غرورا إذا خدعه وجرأه عليه وآمنه من أن يصل إليه المكروه من قبله مع أنه غير مأمون. والمعنى: ما الذي خدعك وسوّل لك معصية ربك وآمنك من عقابه؟ والاستفهام فيه بمعنى الاستجهال والتنكيل والتوبيخ. قوله: (وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار) جواب عما يقال: قد سيقت الآية لاستجهال العصاة وتوبيخهم على اغترارهم بربهم، فكيف يلائم لهذا السوق وصفه تعالى بالكرم؟ والحال أن