حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 531
الظالم، وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإشعار بما به يغره الشيطان فإنه يقول له: افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدا أو لا يعاجل بالعقوبة. والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه.
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من قدر على ذلك أولا قدر عليه ثانيا. والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاغترار بكرمه تعالى وجوده مما يدعو إلى الاغترار به لأن الكرم والجود عبارة عن قضاء حاجة المحتاج لا للعوض، فلما لم يكن الكريم مستعيضا بما عنده استوى عنده طاعة المطيع وعصيان المسيء وهذا يوجب الاغترار به. وقد روي أن عليا رضي اللّه عنه دعا غلامه مرات فلم يجبه، فنظر فإذا هو بالباب فقال له: لم لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه وأعتقه. ولو لا أن كرم الكريم يوجب الاغترار به لما استحسن جواب الغلام. وتقرير الجواب: أنّا لا نسلم أن كرم الكريم يقتضي الاغترار به بل هو يقتضي الخوف والحذر من مخالفته وعصيانه من حيث إن إهمال الظالم يأبى كونه كريما بالنسبة إلى المظلوم، وكذا التسوية بين المطيع والعاصي، وبين الموالي والمعادي فثبت أن محض الكرم لا يقتضي الاغترار به، فكيف إذا انضم إليه وصف كونه قهارا منتقما ذا بطش شديد؟
ثم أشار إلى فائدتين أخريين لذكر الكريم فقال: والإشعار بما به يغره الشيطان وقال ثانيا:
والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته. فإن كل واحد منهما معطوف على قوله: «للمبالغة» فكأنه قيل: أيها العاصي كيف تتجرأ على معصيته مع أن كرمه يستدعي أن لا يسوّي بين المطيع والعاصي؟ ولم تغتر بما به يغرك الشيطان من كثرة كرمه مع أنها تستدعي الجد في الطاعة قضاء لحق شكره على كرمه؟ وفيه إشارة إلى أن سبب اغترار بني آدم تسويل الشيطان بقوله: افعل ما شئت فإن ربك كريم. ثم إنه تعالى لما وصف نفسه بالربوبية والكرم أتبعه بقوله: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ليكون كالدليل على ربوبيته وكرمه، ودلالته على الربوبية ظاهرة لأن من فعل هذه الأمور الثلاثة في المخلوق لا جرم يكون ربا مالكا له، وكذا دلالته على الكرم لأنه لا شك أن أصل الخلق والإيجاد كرم وجود لأن الوجود محض كرم، وكذا تسوية الأعضاء وتعديل البنية فإن سلامة الأعضاء كونها مسواة أي تامة الخلق سالمة عن النقصان في خلقتها بحيث يكون الشخص بها بشرا سويا تام الخلق سليم الأعضاء. انتهى. قوله: (والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء) الظاهر أنه أراد باعتدال البنية اعتدال كيفياتها المتضادة لكون كل واحدة منها منكسرة بحصول الفعل والانفعال بينها. وبتناسب الأعضاء كون كل عضو منها معادلا للآخر لئلا يتفاوت بعضها عن بعض،