حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 532
أو معدلة بما يستعدّها من القوى. وقرأ الكوفيون «فعدلك» بالتخفيف أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت أو فصرفك عن خلقه غيرك وميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوانات
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (8) أي ركبك في أي صورة شاءها. و «ما» مزيدة وقيل: شرطية و «ركبك جوانبها والظرف صلة «عدلك» وإنما لم تعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدّلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثل أن تكون إحدى اليدين أطول من الأخرى وكذا الرجلان والأذنان، ومثل أن تكون إحدى العينين أوسع من الأخرى. قال علماء التشريح: إنه تعالى ركب جانبي هذه الجثة على التساوي حتى لا تفاوت بين نصفيه لا في العظام ولا في أشكالها، ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والخارجة عنها، فكل ما في أحد الجانبين مساو لما في الجانب الآخر كأنه عدل له.
قوله: (أو معدلة بما يستعدها من القوى) عطف على قوله: «معتدلة» والمنوي في يستعدها ضمير البنية بتقدير المضاف وهو الأعضاء أي والتعديل جعل كل عضو من أعضاء البنية معادلا مناسبا لما بني له من القوة كاليد للبطش والرجل للمشي واللسان للتكلم والعين للإبصار إلى غير ذلك، فالتعديل على هذا بين الأعضاء ومنافعها التي هي القوى المودعة فيها، والبارز المنصوب في يستعدها راجع إلى «ما» وأنث العائد إليها لكونها عبارة عن القوى. وذكر لقراءة «عدلك» بالتخفيف وجهين: الأول أنه بمعنى المشدد أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، والثاني أنه من العدول أي فصرفك عن الخلقة المكروهة التي لسائر الحيوانات إلى أحسن تقويم. والفاء في قوله: فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ لإفادة أن ما بعدها كلام مرتب على ما قبلها في الذكر لأنها عاطفة لتفصيل المجمل على المجمل وموضع ذكر التفصيل بعد ذكر المجمل كما في نحو قولك: أجبته فقلت: لبيك، والتسوية في الآية تفصيل للخلق والتعديل تفصيل للتسوية. قوله: (أي ركبك في أي صورة شاءها) أي اللّه تعالى على أن قوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ متعلق «بركبك» وإن «شاء» في موضع الجر على أنه صفة لصورة، فلذلك قدر الضمير الراجع إليها بعد «شاء» ليربط به جملة الصفة بالموصوف ولم تعطف جملة «ركبك» على ما قبلها لأنها بيان لقوله: فَعَدَلَكَ أي فعدلك بأن ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة، ومن الصور التي تشبه الأب والأم أو أقارب الأب أو أقارب الأم أو لا تشبه واحدا منهم. قوله: (وقيل شرطية) أي قيل «ما» شرطية و «شاء» فعل الشرط و «ركبك» جزاء الشرط فيكونان في موضع الجزم، والمعنى: ما شاء من الصور ركبك عليها، والجملة الشرطية في موضع الجر على أنها صفة لصورة أيضا والعائد محذوف وهو عليها. فعلى هذا