حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 533
كَلَّا ردع عن الاغترار بكرم اللّه تعالى. وقوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم والمراد بالدين الجزاء أو الإسلام.
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِرامًا كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (12) تحقيق لما يكذبون به ورد لما يتوقعون من التسامح والإهمال وتعظيم الكتبة بكونهم كراما عند اللّه لتعظيم الجزاء.
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) بيان لما يكتبون لأجله
يَصْلَوْنَها يقاسون حرها. يَوْمَ الدِّينِ (15) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (16) لخلودهم فيها. وقيل: معناه وما يغيبون عنها قبل ذلك إذ كانوا يجدون سمومها في القبور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون قوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ متعلقا «بعدلك» ولا يجوز أن يتعلق «بركبك» لأن ما كان في حيز الشرط لا يتقدم عليه. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون الظرف صلة «عدلك» مع أن «أيا» اسم استفهام فلها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها؟ قلنا: من جعله متعلقا «بعدلك» جعل قوله: «في أي صورة» بمعنى التعجب كما في قولك: مررت برجل أي رجل كأنه قيل:
فعدلك في صورة أي صورة أي في صورة عجيبة، ثم حذف الموصوف لزيادة التفخيم والتعجيب. قوله: (إضراب) أي إعراض عن إيجاب الارتداع من الاغترار بكرم اللّه تعالى عليهم بجعله كالمسكوت عنه إلى بيان ما هو السبب في اغترارهم بالكرم وهو تكذيبهم بيوم الحساب والجزاء على أن يكون المراد بالدين الجزاء، يقال: دانه دينا أي جازاه. وإن أريد بالدين الإسلام كما قال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: 19] يكون المعنى كيف ترتدعون عن الاغترار بالكريم وأنتم مصرون على تكذيب الإسلام الذي هو السبب الأصلي للاغترار به تعالى والجراءة على عصيانه؟ فإن كل واحد من تكذيب الجزاء ومن تكذيب الإسلام والإصرار عليه سبب أصلي في الاغترار والجراءة. قوله تعالى: (وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) يجوز أن يكون حالا من فاعل «تكذبون» أي تكذبون والحالة هذه. ويجوز أن تكون جملة مستأنفة أخبرهم اللّه تعالى بذلك لينزجروا عما هم عليه من الإصرار على الكفر والتكذيب، فإن من وكّل به ملائكة كرام على اللّه يكتبون أعماله ليحاسب يوم البعث والجزاء من عظائم الأمور عند اللّه تعالى، فإنه لولا ذلك لما وكل بضبط الأعمال مثل هذه الملائكة الكرام. وصف الملائكة بكونهم حافظين لحفظهم الأعمال، وبكونهم كراما لكرامتهم عند اللّه تعالى بجدهم في طاعته، وبكونهم كاتبين لأنهم يكتبون أعمال بني آدم على علم منهم بجميع أعمالهم. فإن قيل: قوله تعالى: ما تَفْعَلُونَ يعم أفعال القلوب وهو من المغيبات التي لا يعلمها إلا اللّه تعالى فكيف يكتبها الملائكة؟ وقد دلت الآية على أنهم يكتبون جميع أفعال المكلفين من أفعال القلوب ومن أفعال الجوارح. أجيب بأن ما تَفْعَلُونَ عام مخصوص بأفعال الجوارح وتخصيص العام كثير شائع. وسئل سفيان الثوري كيف تعلم الملائكة أن