حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 555
وهي ثمانية وعشرون نجما ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتقاصر عنها، وإذا صار القمر إلى آخر منازله دق واستقوس واستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، وإن كان تسعة وعشرين فليلة واحدة. وإطلاق البروج على هذه النجوم أيضا مبني على تشبيهها بالقصور من حيث إن القمر ينزل فيها ولظهورها أيضا بالنسبة إلينا، لأن البروج تنبئ عن الظهور. وقيل: المراد بالبروج عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها. وقيل: المراد بها أبواب السماء وسميت بروجا لظهورها بالنسبة إلى من ينزل من السماء ولأن النوازل تخرج منها كما تخرج من القصور. قوله: (وأصل التركيب للظهور) أي للظهور والامتياز بحسب الرفعة والاشتمال على المحاسن، فإن القصور لرفعتها وما فيها من المحاسن ظاهرة للأعين فلذلك سميت بروجا ثم يقال: برجت المرأة أي شبهت بالبرج في إظهار المحاسن، وهو معنى قولهم: التبرج إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. قال تعالى: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ [النور: 60] . قوله: (ومن يشهد) أي ومن يحضر في ذلك اليوم من الخلائق الأولين والآخرين من الجن والإنس والملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، فإنه سبحانه وتعالى لما أقسم باليوم الموعود الذي هو يوم القيامة تنبيها على عظيم قدره وشرفه من حيث كونه يوم الفصل والجزاء ويوم تفرده فيه تعالى بالملك والحكم، عطف عليه الشاهد وهو من يحضر في ذلك اليوم من الخلائق والمشهود فيه الذي هو ما في ذلك اليوم من العجائب.
قوله: (أو النبي وأمته) عطف على قوله: «ومن يشهد في ذلك اليوم» أي ويجوز أن يكون الشاهد من الشهادة لا من الشهود وهو الحضور. فعلى هذا يكون المشهود بمعنى المشهود عليه لأن الشهادة لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر يقال: شهد به وشهد عليه إلا أنه حذف الصلة كما حذف من المشترك وأصله مشترك فيه. وعلى تقدير أن يكون الشاهد والمشهود من الشهادة ذكر وجوها في تعيين المراد بهما: الأول ما ذكره بقوله: «أو النبي وأمته» ويدل عليه قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ [الأحزاب: 45، 46] ولا شك أن تبشيره وإنذاره ودعوته عليه الصلاة والسّلام إنما هو بالنسبة إلى أمته فكذا شهادته تكون بالنسبة إليهم، كما قال تعالى في حق أمته عليه الصلاة والسّلام:
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143] والثاني ما ذكره بقوله: «أو أمته وسائر الأمم» لقوله تعالى في حق أمته عليه الصلاة والسّلام: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] والثالث ما ذكره بقوله: «أو كل نبي وأمته» لقوله تعالى:
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: 41] فإنه يدل على أن كل نبي شاهد على أمته. والرابع ما ذكره بقوله: «أو الخالق والخلق» لقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا