حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 576
أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبريل وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من إبقاء أو إنساء.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (8) ونعدك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي، أو التدين ونوفقك لها ولهذه النكتة. قال تعالى: نُيَسِّرُكَ لا نيسر لك عطفا على سَنُقْرِئُكَ وإِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ اعتراض.
فَذَكِّرْ بعد ما استتب لك الأمر إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ لنفي النسيان المتعارف رأسا وكل واحد من القسمين قسيم لقوله: فلا تنسى شيئا مما أقرأناك أصلا إلا ما شاء اللّه نسيانه بأن تنسخ تلاوته. ولما كان قوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ مما يدل على القلة جاز أن يراد منه نفي النسيان رأسا، فإن استعمال القلة بمعنى النفي رأسا وارد في كلامهم كما في قوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] فإن قضاء حق الشكر بكماله غير مقدور للبشر. قوله: (فيعلم ما فيه صلاحكم من إبقاء أو إنساء) تفريع على التفسيرين. وأشار إلى أن قوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى تعليل للحكم السابق المشتمل على الاستثناء بأن يجعل علمه تعالى بما ظهر من أحوال عباده وبما يخفى منها، أو علمه بجهره عليه الصلاة والسّلام بالقرآن مع جبريل وبما يخفى في نفسه مما يدعوه إليه من مخافة النسيان مجازا عن علمه بما فيه صلاح العباد، فلا ينسى ما أنساه من الوحي ولا يبقى ما أبقاه إلا لمصلحة تعود إليهم. قوله: (ونعدك للطريقة اليسرى) ضمن قوله:
«نيسرك» معنى الإعداد والتوفيق بيانا لوجه تعدية قوله: «نيسرك» بدون اللام، فإن العبارة الشائعة أن يقال: جعل الفعل الفلاني ميسرا لفلان ولا يقال: جعل فلان ميسرا للفعل الفلاني، فالظاهر أن يقال: نيسر اليسرى لك إلا أنه جعل الفاعل ميسرا للفعل في هذا الموضع وكذا في سورة الليل أيضا، وفي قوله عليه الصلاة والسّلام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» باعتبار التضمين أي معد وموفق له. والمراد بالطريقة اليسرى إعمال الخير سميت يسرى لكونها مؤدية إلى اليسرى والراحة. وقوله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ معطوف على سَنُقْرِئُكَ وقوله: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى اعتراض والتقدير: سنقرئك فلا تنسى ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر في حفظ القرآن أو في باب التدين والطاعة، ونون العظمة في قوله تعالى: نُيَسِّرُكَ ليستدل بعظمة المعطي على عظمة المعطا وكيف لا وقد كان عليه الصلاة والسّلام صبيا لا أب له ولا أم نشأ في قوم جهال؟ ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين وهاديا للخلائق أجمعين إلى شريعة لم يهد إلى مثلها أحد من الأولين فكان بذلك سيد المرسلين وخاتم النبيين وأي عطاء أجل وأعظم من هذا؟ قوله:
(بعدما استتب لك الأمر) بيان لمعنى فاء التعقيب في قوله: فَذَكِّرْ يقال: استتب له الأمر إذا تهيأ واستقام، فإنه تعالى لما تكفل له بتعليم القرآن وتيسر حفظه له بحيث لا ينسى شيئا