فهرس الكتاب

الصفحة 5369 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 577

لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس من البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم كقوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: 45] الآية أو لذم المذكرين واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه ولذلك أمر بالإعراض عمن تولى.

سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) سيتعظ وينتفع بها من يخشى اللّه تعالى فإنه يتفكر فيها فيعلم حقيتها وهو يتناول العارف والمتردد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منه إلا ما شاء اللّه تعالى نسيانه، أو تيسر سبيل الرشد والتدين، أمره بتذكير الخلق ودعوتهم إلى الحق ليكون جامعا بين منصبي الهدى والهداية ودولتي الكمال والتكميل. قوله: (لعل هذه الشرطية إنما جاءت الخ) جواب عما يقال إنه عليه الصلاة والسّلام مبعوث إلى الناس كافة لينذرهم بسوء عاقبة الكفر والعصيان ويذكرهم ثواب الطاعة والإيمان، فعليه أن ينذر الكل ويذكرهم سواء قبلوا منه التذكير وانتفعوا به أم لا. فإن نفعتهم الذكرى فيها وإلا فلا أقل من تزايد مثوباته عليه الصلاة والسّلام بتكرار الإنذار والتذكير وانقطاع حجة المعاندين حيث لا يمكنهم أن يقولوا بعد الإنذار والتذكير إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [الأعراف: 172] لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 47] فلم وجب عليه أن يذكر الخلائق أجمعين إن نفعتهم الذكرى. والمصنف أجاب عنه بثلاثة أجوبة: تقرير الأول أن ما ذكره من كون التذكير واجبا عليه مطلقا إنما هو قبل إلزام الحجة عليهم وإتمام دعوتهم بتكرير التذكير بأوضح البيان وأبلغ التقرير إلى أن يتضح الحق ويبين الرشد من الغي، بحيث يظهر أن من أصر على الكفر والضلال بعده إنما يصر عليه لمحض العناد وإيثار الهوى على الهدى، وأما بعد ذلك فلا يجب إذ لا فائدة له بعد ذلك سوى إتعاب النفس والتلهف على من آثر الشقاوة الأبدية على السعادة الدائمة. وتقرير الجواب الثاني أن قوله تعالى: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإن كان تقييدا للإيجاب بحسب الظاهر إلا أنه لم يؤت به في هذا الموضع لتقييد الحكم به وإنما أتى به ذما للمذكورين وتنبيها له عليه الصلاة والسّلام. يعني أن هؤلاء لا تنفعهم الذكرى كما يقال في حق رجل: ادع فلانا إن أجابك والمعنى: ما أراه يجيبك، فكأنه قيل: فذكرهم وما يظن اتعاظهم وقبولهم منك. وإذا لم يكن التعليق والتقييد مرادا بقي الأمر بالتذكير على إطلاقه غير مقيد بشرط رجاء نفعه. وتقرير الثالث أن التقييد والتعليق بالنسبة إلى طائفة معينة علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن الذكرى لا تنفعهم لشدة إعراضهم عن الهدى، ونظيره قوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق: 45] ويلزم من هذا الجواب أنه عليه الصلاة والسّلام إذا علم بنور النبوة أو الوحي الإلهي أن الضال لا يؤمن ولا تنفعه الذكرى لا تجب عليه التذكرة.

قوله: (وهو يتناول العارف والمتردد) فإن الناس في المعاد على ثلاثة أقسام: منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت