حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 586
وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة. وقيل هو استثناء من قوله فذكر أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض، ويؤيد الأول أنه قرئ «ألا على» التنبيه،
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) رجوعهم. وقرئ بالتشديد على أنه فيعال مصدر «أيب» فيعل من الإياب، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإدغام
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26) في المحشر وتقديم الخبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه استثناء من الضمير في «عليهم» أي لست عليهم بمسيطر إلا على من تولى عن الإيمان وكفر، فإنك مسلط عليه بما يؤذن لك من قبله. ولما استشعر أن يقال: إن الإيمان من أعمال القلب فتسلطه عليه السّلام عليهم بإكراههم على الإيمان تسلط على القلب بأن يقبل الإيمان، وذلك ليس في وسع البشر إذ لا يستولي على القلب أحد غير اللّه. أجاب عنه بأن الاستيلاء على جهاد الكفار وقتلهم بمنزلة الاستيلاء عليهم لقبول الإيمان لكونه من الأسباب المؤدية إلى الإيمان. قوله: (وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا) جواب عما يقال من أن السورة مكية وأنه عليه الصلاة والسّلام ما كان مأذونا بالقتال إلا بعد الهجرة، فكيف يصح حمل الكلام على الاستثناء المتصل المستلزم لأن يكون المعنى أنت مسلط على من تولى عن الإيمان منهم؟ ومحصل الجواب أن الكلام وارد على طريق الوعد له عليه الصلاة والسّلام بإذنه للقتال والوعيد للكفار المعاندين لا على طريق الإخبار بأنه عليه الصلاة والسّلام مسلط عليهم في المال. قوله: (أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر) الظاهر أن «من» هذه موصولة و «تولى» صلتها و «كفر» عطف عليه والفاء في «فيعذبه» سببية دالة على أن التعذيب مرتب على التولي والكفر. فسر قوله تعالى: «فَيُعَذِّبُهُ» بقوله: «فاستحق العذاب الأكبر» وهذا المتولي عن الإجابة لما لم ينفعه التذكير صار بمنزلة من لم يذكره عليه الصلاة والسّلام، فلذلك استثنى من جملة من أمر عليه الصلاة والسّلام بتذكيره. قوله: (ويؤيد الأول) وهو أن يكون الاستثناء منقطعا على معنى لكن اللّه هو المسيطر عليهم فيعذبهم، ووجه التأييد ظاهر وهو يوافق المعنيين حينئذ بخلاف ما إذا كان الاستثناء متصلا. قوله:
(وقرئ بالتشديد) والجمهور على تخفيف ياء «إيابهم» على أنه مصدر آب يؤوب إذا رجع.
وقرئ بتشديد الياء وذكر لها وجهين: الأول كونه مصدرا على وزن فيعال من أيب على وزن فيعل نحو: حوقل حيقالا وسيطر سيطارا أصله إيواب، فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء فصار إيابا. والثاني كونه مصدرا على وزن فعال نحو: كلم كلاما أصله أوواب قلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما في ديوان أصله دووان، فصار إيوابا، ثم فعل ما مر فصار إيابا. وقوله: «تارة من الإياب وتارة من الأوب» لمجرد التفنن لأن كل واحد من الأوب والإياب مصدر آب بمعنى رجع