حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 589
كقوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات: 49] والخالق لأنه فرد ومن فسرهما بالعناصر والأفلاك والبروج والسيارات، أو شفع الصلوات ووترها، أو بيومي النحر وعرفة وقد روي مرفوعا، أو بغيرها فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول بما رآه أظهر دلالة على التوحيد أو مدخلا في الدين أو مناسبة لما قبلها، أو أكثر منفعة موجبة للشكر. وقرأ حمزة والكسائي والوتر بفتح الواو وهما لغتان كالحبر والحبر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معا فصح أن يعبر بمجموع الشفع والوتر عن الأشياء كلها. وكذا صح أن يعبّر به عن المخلوقات بأسرها وعمن خلقها لأنه تعالى خلقها زوجين ذكرا وأنثى ناطقا وصامتا كافرا ومؤمنا قادرا وعاجزا باردا وحارا رطبا ويابسا فلكيا وعنصريا إلى غير ذلك وخالقها فرد واحد لا تعدد فيه بوجه ما. قوله: (ومن فسرهما إلى قوله أو أكثر منفعة موجبة للشكر) لما فسر مجموع الأشياء بالشفع والوتر أولا ثم فسر الشفع بالمخلوقات كلها والوتر بذات الخالق وكان ما ذكره المفسرون في تفسير الشفع والوتر تخصيصا بلا مخصص، أشار إلى أنهم لا يدعون بما ذكروه انحصار مدلولهما في ذلك وإنما خصوا بالذكر من أنواع مدلولهما ما رأوه أظهر دلالة على التوحيد كالعناصر والأفلاك والبروج والسيارات إذ لا مدخل فيها لغيرها، أو مدخلا في الدين كالصلوات شفعها ووترها، أو مناسبة لما قبلها كيومي النحر وعرفة، أو أكثر منفعة موجبة للشكر كالأعضاء والقلب والشفتين واللسان وكالعناصر والأفلاك والبروج والسيارات فإن منافعها أكثر من أن تحصى. ألا ترى أن انتظام أحوال الحيوانات بأسرها منوط بالفصول الأربعة! وإن ثبت من الشارع تفسير الشفع والوتر ببعض ما ذكره المفسرون فالظاهر أنه ليس مبنيا على تخصيص مدلول اللفظ به بل إنه وارد على طريق التمثيل بما رأى في تخصيصه بالذكر فائدة معتدا بها. فلنذكر بعض ما ذكره المفسرون في تفسيرهما: فإن منهم من فسر الشفع بالعناصر الأربعة والوتر بالأفلاك التسع، ومنهم من فسر الشفع بالبروج الاثني عشر والوتر بالسيارات السبع، ومنهم من فسر الشفع بما كان شفعا من الصلوات وهو ما عدا صلاة المغرب والوتر بما كان وترا منها وهو صلاة المغرب والوتر على قول، ومنهم من فسر الشفع بيوم النحر لأنه عاشر أيام الليالي العشر والوتر بيوم عرفة لأنه تاسع تلك الأيام وقد روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه فسرهما بذلك حيث قال: «العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر» وقال عليه الصّلاة والسّلام: «بعضها شفع وبعضها وتر» . ومنهم من فسرهما بغير ما ذكر. ثم اختلفوا في ذلك الغير؛ فقال بعضهم: الشفع اليومان اللذان بعد يوم النحر والوتر هو اليوم الثالث بعدهما. ثم قال: حمل الشفع والوتر على ما قلنا أولى من حملهما على يومي النحر وعرفة، لأن يومي النحر وعرفة قد أقسم بهما في قوله: وَلَيالٍ عَشْرٍ إذا فسرت بعشر ذي الحجة فحمل الشفع والوتر عليهما يستلزم التكرار في القسم