حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 599
بها.
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ إلى أمره أو موعده بالموت ويشعر ذلك بقول من قال: كانت النفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس، أو بالبعث. راضِيَةً بما أوتيت مَرْضِيَّةً (28) عند اللّه
فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) في جملة عبادي الصالحين.
وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) معهم، أو في زمرة المقربين فتستضيء بنورهم فإن الجواهر القدسية كالمرايا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن سكون اليقين في مقابلة قلق الشك والريبة. قوله: (إلى أمره أو موعده) لما تمسكت المجسمة بقوله تعالى: إِلى رَبِّكِ على ما زعموا في حقه تعالى بناء على أن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية ومنتهى الحركة الآنية هو المكان ومن تمكن فيه، رد المصنف تمسكهم بأن معنى الآية: ارجعي إلى حكم ربك أو ثوابه بالموت أو بالبعث، وهذا الخطاب تخاطب به النفس عند الموت أو عند البعث. فإن خوطبت به عند الموت يكون المعنى ارجعي إلى أمر ربك وحكمه بالموت، وإن خوطبت به عند البعث يكون المعنى ارجعي إلى ثوابه بالبعث.
قوله: (ويشعر ذلك) أي قوله تعالى: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ يشعر بكون النفوس موجودة قبل الأبدان لأن هذا القول إنما يقال لما كان موجودا قبل هذا البدن، ووجودها قبل الأبدان لا يستلزم كونها أزلية كما ذهب إليه بعض القدماء. وقوله: راضِيَةً مَرْضِيَّةً حالان من فاعل «ارجعي» أي راضية من اللّه تعالى بما أعطيت مرضية عنده بما عملت.
قوله: (في جملة عبادي الصالحين) يعني يجوز أن يكون المراد بالمتشرفين بإضافة التشريف إلى ياء المتكلم عباده الصلحاء المتحلين بحلية الإيمان والطاعة، أو الذين هم أخص وأشرف منهم وهم المقربون. والفريقان هما اللذان ذكرا في قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجنات نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ [الواقعة: 88 - 91] والخطاب على التقديرين للمؤمن المحتضر لا لمجرد روحه. ولما عبّر عنه بالنفس قيل: ارجعي وادخلي. وقوله: «فتستضيء بنورهم» متفرع على كل واحد من التفسيرين جواب للأمر، فإن الميت سواء انضم إلى أصحاب اليمين أو إلى المقربين يكون في حالة شريفة وهي انعكاس أنوار علومهم وكمالاتهم إليه، فإن الأرواح الشريفة كالمرايا المصقولة المجلوة فإذا انضم بعضها إلى بعض ينعكس إلى كل واحدة ما في مقابلتها من الفضائل والكمالات فيكون ذلك الانضمام سببا لتكامل السعادات الروحانية، ثم قوله:
وَادْخُلِي جَنَّتِي إشارة إلى السعادة الجسمانية. ولما كانت السعادة الروحانية غير متراخية عن الموت في حق السعداء قال: فَادْخُلِي فِي عِبادِي بالفاء الدالة على التعقيب ولما كان الجنة الجسمانية لا يحصل الفوز بها إلا بعد القيامة الكبرى قال: وَادْخُلِي جَنَّتِي بالواو لا بالفاء. كذا في التفسير الكبير. وفيه بحث لأنه معطوف على مدخول الفاء فينجر إليه معنى