حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 598
لا يتولى عذاب اللّه ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه. وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول.
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) على إرادة القول وهي التي اطمأنت بذكر اللّه فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته فتستقر دون معرفته وتستغني به عن غيره، أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك، أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن وقد قرئ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصنف إلى دفعه بأن المعنى حينئذ أنه لا يتولى عذاب اللّه تعالى ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله يومئذ للّه ولا أمر في يد غيره أصلا، والعذاب والوثاق اسمان وضعا موضع التعذيب والإيثاق كما يوضع العطاء موضع الإعطاء والمعنى: لا يملك أحد التعذيب والإيثاق في ذلك اليوم إلا اللّه تعالى وحده. قوله: (أو للإنسان) أي الكافر المتوغل في عناده المنهمك في شهواته، فتكون إضافة عذابه ووثاقه من قبيل إضافة المصدر إلى مفعوله ويكون المعنى: لا يعذب أحد من الزبانية أحدا من العصاة مثل ما يعذب ذلك الإنسان ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه. ثم إنه تعالى لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا وصف بعده حال من اطمأن إلى الحق بحيث سكن إلى اليقين فلا يخالطه الشك والاضطراب فاستقر على الطاعة ومقتضى العبودية، فقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ على إضمار القول أي يقال لها عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة، فإما أن يكلمه اللّه بنفسه إكراما للمؤمن المطمئن كما كلم موسى عليه السّلام في الدنيا، أو على لسان ملك. والاطمئنان عبارة عن الثبات والاستقرار، وذكر المصنف في بيان كيفيته ثلاثة أوجه: الأول استقرار النفس عند معرفته والاستغناء بمعرفته عن طلب غيره كما قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28] وذلك أن القوة العاقلة إذا أخذت تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات، فكلما وصلت إلى سبب يكون هو ممكنا لذاته محتاجا إلى علة توجده وتبعثه طلب العقل له سببا آخر، ثم إذا ترقى إلى ممكن آخر أعلى منه لا يقف عنده أيضا بل لا يزال ينتقل من علة إلى ما هو أعلى إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته المستغني عن جميع ما سواه، فحينئذ يقف العقل ويطمئن إليه ولا ينتقل عنه إلى غيره لعلمه بأن الأمر كله يرجع إلى إرادته وقدرته وأنه رب العالمين. قوله: (فتستقر دون معرفته) أي عندها وتستغني به عن غيره أي لا تطلب له سببا آخر. والوجه الثاني ما أشار إليه بقوله: «أو إلى الحق» وهو عطف على قوله: «بذكر اللّه» أي أو هي التي اطمأنت إلى الحق وتيقنت به بحيث لم يخالطها شك. والوجه الثالث ما ذكره بقوله: «أو الآمنة» أي هي النفس الآمنة التي لا يستفزها أي لا يحركها خوف، وهذا الوجه يؤيده قراءة أبي بن كعب رضي اللّه عنه: «يا أيتها النفس الآمنة» فعلى هذا يكون الاطمئنان عبارة عن سكون الأمن في مقابلة قلق الخوف والحزن، وعلى الثاني يكون عبارة