حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 607
ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإشارة والكفار بالضمير شأن لا يخفى.
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على طاعة اللّه بل ذكر بعده التواصي بما يوجب رحمة اللّه تعالى أيضا تكميلا للترغيب في جميع ما هو من معالم الدين. ثم إنه تعالى بيّن أن أصحاب هذه الأوصاف المذكورة هم أصحاب الميمنة في القيامة، وقد بيّن اللّه تعالى ثوابهم في سورة الواقعة بقوله: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة: 28 - 34] والميمنة إنما بمعنى اليمين وأصحاب اليمين هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم ويسلك بهم على طريق اليمين إلى الجنة، وإما بمعنى اليمين والخير والسعادة فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم. وكذا أصحاب المشأمة إما بمعنى أصحاب الشمال الذين يعطون كتبهم بشمالهم ويسلك بهم على جانب الشمال إلى النار، أو بمعنى أصحاب الشؤم والشر الذين هم مشائيم على أنفسهم بمعصيتهم.
قوله: (ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإشارة) أي الموضوع للإشارة إلى الحاضر المشاهد والكفار بالضمير أي ضمير الغائب شأن لا يخفى وذلك لأن ذكرهم باسم الإشارة تكريم لهم بأنهم حاضرون عنده تعالى في مقام كرامته وذكرهم بما يشار به إلى البعيد تعظيم لهم بالإشارة إلى علو درجاتهم وارتفاعها على درجة أضدادهم، فإن درجة من حضر عنده تعالى كيف لا تعلو على درجة من غاب عنه؟ وذكر الكافرين بضمير الغائب إشارة إلى أنهم غيب عن مقام كرامته تعالى وشرف الحضور عنده.
قوله: (من أوصدت الباب إذا أطبقته) أوصد أفعل من المعتل الفاء الواوي مثل: أوعد يوعد، وآصد أيضا أفعل إلا أنه من المهموز الفاء مثل: أمن يؤمن، وهما لغتان بمعنى أطبق وأغلق يقال: آصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته. فمن قرأ «مؤصدة» بالهمزة جعلها اسم مفعول من آصدت ويجوز أن يكون من أوصدت ولكنه همز الواو الساكنة لضم ما قبلها على لغة من يقول: مؤسي ويقرأ بالسؤق والأعناق. وكان أبو بكر يكره الهمز في هذا الحرف ويقول: لنا إمام يهمز مؤصدة فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته. فكأنه لم يحفظ من شيخه وهو عاصم إلا ترك الهمزة. وقد حفظه حفص عنه بالهمزة وهو أضبط لحذقه من أبي بكر على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن وأوثق عند أهل الحديث. ومن لم يهمز أخذها من أوصدت قيل في قوله تعالى: نارٌ مُؤْصَدَةٌ أن «نار» مبتدأ و «مؤصدة» خبره و «عليهم» متعلق بالخبر والوجه أن يكون مؤصدة صفة لها والخبر عليهم. والجملة إما مستأنفة لا محل لها أو خبر ثان والمعنى: عليهم نار أبوابها مؤصدة مغلقة فلا يفتح لهم باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح أبد الآباد. نعوذ باللّه تعالى منها ومن موجباتها