حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 612
الفجور والتقوى إفهامها وتعريف حالهما والتمكين من الإتيان بهما.
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) أنماها بالعلم والعمل. جواب القسم وحذف اللام للطول وكأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع ووجوب ذاته وكمال صفاته الذي هو أقصى درجات القوة النظرية، ويذكرهم عظائم آلائه ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه الذي هو منتهى كمالات القوة العملية. وقيل: استطراد بذكر بعض أحوال النفس والجواب محذوف تقديره: ليدمدمن اللّه على كفار مكة لتكذيبهم رسوله كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا.
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) نقصها وأخفاها بالجهالة والفسوق وأصل دسى دسس كتقضى وتقضض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تجردها عن الفاعل، ويلتزم أن يضمر فيها اسم اللّه تعالى للعلم به. فإن قيل: الفاء تدل على الترتيب من غير مهلة والتسوية تكون قبل نفخ الروح، والإلهام يكون بعد البلوغ فيختل انتظام الإلهام المصدر بالفاء بما قبله على تقدير أن تكون «ما» مصدرية. قلنا: التسوية عبارة عن تعديل الأعضاء والقوى الإدراكية وذلك إنما يكون بعد البلوغ. ويدل عليه كون الصبي محجورا عليه غير مقبول الشهادة وغير مكلف بالأحكام الشرعية. وإلهام الفجور والتقوى عبارة عن إفهامهما وإعقالهما وتعريف حالهما من حيث إن أحدهما حسن والآخر قبيح فهو مرتب على التسوية بالمعنى المذكور من غير مهلة. قوله: (وحذف اللام للطول) أي لطول الكلام بين القسم وجوابه. قيل: لما طال الكلام صار طوله عوضا عن اللام. وقيل: لما كانت اللام للتأكيد و «قد» أيضا تفيد التأكيد استغنى بها عن اللام. قوله: (وكأنه لما أراد به) أي بقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وهو بيان لوجه الإقسام عليه فإنه تعالى لما أقسم بالشمس التي هي أعظم المحسوسات شرفا ونفعا، ووصفها بأوصافها الأربعة التي هي ضوءها وكونها متبوعة للقمر ومتجلية عند ارتفاع النهار ومختفية متغطية بالليل، ثم أقسم بالسماء التي هي مسير الشمس وأعظم منها، ومن المعلوم أنهما لحركاتهما الوضعية والآنية وتغير أحوالهما من الأجسام الممكنة المحتاجة إلى صانع واجب الوجود لذاته دفعا للدور أو التسلسل موصوف بصفات الجلال والجمال. قوله: (ويذكرهم) عطف على قوله: «يدلهم» ولا شك أن هذه الأمور المقسم بها من عظائم الآلاء. قوله: (وقيل استطراد) عطف على قوله: «جواب القسم» والدمدمة إهلاك باستئصال وقيل: هو التعذيب على أتم الوجوه، ولم يجعل قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ جوابا لأن إقسام اللّه تعالى إنما يؤكد به الوعد والوعيد وهو ليس متهما بل ذكر استشهادا لقوله: قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها بخلاف قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فإن الأول وعد لأهل التزكية بالظفر بكل خير والثاني وعيد لأضدادهم بالخيبة والخسران.